الأولمـــــــــــــــــــــــــــــــــــــب

للإبداع الأدبي الحقيقي بحثا عن متعة المغامرة
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةمكتبة الصورس .و .جالأعضاءالمجموعاتبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 ألعاب الهوى (رواية لوحيد الطويلة)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
وحيد الطويلة



ذكر عدد الرسائل : 12
العمر : 51
Localisation : egypt
Emploi : k.elsheakh
Loisirs : k.elsheakh
تاريخ التسجيل : 03/07/2007

مُساهمةموضوع: ألعاب الهوى (رواية لوحيد الطويلة)   5/7/2007, 16:07

سأقوم بنشر هذه الرواية نظرا لطولها على أجزاء ..مع خالص حبي لكم

ألعاب الهوى



وحيد الطويلة



الطبعة الأولى2005

(c) ميريت للنشر والمعلومات





الغلاف : أحمد اللباد



المدير العام: محمد هاشم



رقم الإيداع:



الترقيم الدولى:



ألعاب الهوى
رواية




فيروز



ابنتي الصغيرة



كم أود لو أهديك القمر



تعطيه لحبيبك عندما تكبرين



لكنهم نشلوه أمام عيني



بعد أن وضع في يدي قطعة حلوى



حبيبتي فيروز



إليك أوراقي



عله يعود



حبيبك وحيد



عدل سابقا من قبل في 5/7/2007, 16:12 عدل 2 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
وحيد الطويلة



ذكر عدد الرسائل : 12
العمر : 51
Localisation : egypt
Emploi : k.elsheakh
Loisirs : k.elsheakh
تاريخ التسجيل : 03/07/2007

مُساهمةموضوع: رد: ألعاب الهوى (رواية لوحيد الطويلة)   5/7/2007, 16:08

لم يكن في الغرفة سواهما، الشيخ حامد، وقد مد ساقيه متكئا على جنبه الشمال، تحت كوعه مخدتان، مخدتا أمه، بواقي شوارها منذ زواجها الأول، يده اليمنى تقلب سجائره اللف، يفتش عن واحدة طرية، يبلل طرفها السائب من أعلى بلسانه، ينفضها برفق على ظفر إبهامه، ويدفعها كسابقاتها داخل المبسم الخشب، مبسم أبيه، يرفع لمبة الجاز شطر وجهه، يمد السيجارة أعلى فتحتها، يدوزنها، ثم يشفط

شفطتين...

.. أولعلك واحدة.. أنت خلصت ولا لسه يا سماعين؟.

الشيخ إسماعيل يأكل على أقل من مهله، وصل إلى الرغيف الخامس، مازال في نصف صحن العدس المسقي التخين، يغوص على راحته، ويلحس الحواف بلقمة لدنة.. عدس الشتاء في البرية، الشوربة مع الرز للعشاء بعد صلاة المغرب، والعدس بقوامه الثقيل للغداء والحرفشة في آخر الليل.

ـ أنت مش ناوي تديها معايا يا شيخ حامد، أنت كلت والا إيه ؟!

.. سبقتك يا خويا، نص صحن عدس معتبر، راكب على قلبي من ساعتها، كل يا شيخ سماعين، سهروا الليل وخدوا زبده، وسابوا الحامض للنوام، كل يا خويا ، كل، كلت اللي أكله فرج.

ـ خدوا زبده !!، طيب ! ـ هو فين زبده ده ؟!

الشيخ إسماعيل لا يأكل على مضض، لكنه يمني نفسه أن يهبط الوحي على الشيخ حامد، ولو مرة واحدة في السنة، وينعم عليه بورك فرخة بايت أو حتى دبوس، رغم أنه يعرف في قرارة نفسه، أن الشيخ لو طلع أبوه من التربة لن يفعلها، لكنه لا يحتمل أن يغلق باب التمني، حتى ولو سك حامد على الزَفر كعادته، لذا يلوك السريس على مهله، ويكسر العيش الناشف بصوت عال، ربما تنفتح طاقة من طاقات ليلة القدر التي قضى عمره يحتشد لها في أواخر رمضان، ويدعوها.

ضرير يعمل مؤذنا في جامع الشيخ حامد، قريبه من ناحية الضل، الأمهات أولاد خالة من بعيد، أصابه العمى صغيرا، أغار عليه في يوم وليلة، وأخواله العمد كبسوا عليه أيضا، أكلوا حقه في الأرض والضرع، فأكلته الحسرة من كل ناحية، لكنه عفي النفس والروح، عفيف إلا في موضوع الأكل، يأكل بقرة بحوائجها، يمشي وراء الشيخ حامد على طول الخط، يُصدِّقه ويَصْدقه إلا في حكاية الأكل.

ـ انتوا دابحين إيه النهارده يا حامد ؟.

لم يعطه الشيخ أذنه، ولا فات الكلام عليها، اعتدل من كوعته، أمسك وقية دخان، تحسسها منبعجة من المنتصف،
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
وحيد الطويلة



ذكر عدد الرسائل : 12
العمر : 51
Localisation : egypt
Emploi : k.elsheakh
Loisirs : k.elsheakh
تاريخ التسجيل : 03/07/2007

مُساهمةموضوع: رد: ألعاب الهوى (رواية لوحيد الطويلة)   5/7/2007, 16:10

ضغط على أطرافها قبل أن يفتحها حتى يلين دخانها، ويدخل المهترئ في المكبوس، خبطها برفق في الأرض مرتين، فتحها وألقى ما بها في صحنه الصاج، صحن شاف الأمرين، وأتت عليه الأيام، طلاؤه الخارجي مقشر من معظم نواحيه، بدا مرقشا بين الأبيض والأسود الكالح، سحب ورق البفرة، وبدأ يلف سجائره، طقس ليلي اعتاده مذ تعلم شرب الدخان، فجأة وجده أمامه.

.. أنت مين، ودخلت هنا ازاي ؟!.

ـ أنا عزرائيل يا شيخ حامد.

.. مين، مين يا خويا ؟!.

ـ عزرائيل.

أحس أن شيئا باردا غشيه، وتسرب إلى الحشوة أسفله.

.. وعايز إيه يا بن خالي ؟!.

* مافيش ورك فرخه بايت عندك يا شيخ حامد ؟.

.. يا شيخ اتلهي على عينك أنت كمان، إحنا في إيه والا إيه، قلت لي عايز إيه يابا ؟!.

ـ عايزك علشان تيجي معايا.

.. آجي معاك، يا داهيه دقي، ملقيتش غيري ولا ايه، أنت خلصت البهايم اللي وراك كلهم - يبلع ريقه ـ إسمع يا عبد الرحمن يا بن خالي، روح دلوقت، وتعال بعد شويه.



ـ وقتك قرب يا شيخ حامد.



أحس من نبرته أن الأمر ليس قاطعا تماما.



.. شوف يا عبد الرحمن يا بن عمي، نميرة مراتي، انت عارفها، وليه سواقط قيد، إديني فرصة أسننها، اعمل لها شهادة الميلاد، وأخلص لها ورق المعاش وبعدين تعال وقت ما أنت عايز، أسيبها لمين بعدي يا عبد، تأخدش نفسين يا خويا.



ـ أنا ماشي، ومش هأغيب يا شيخ حامد.



* أنا بقولك عايز ورك، تقوللي تاخدلك نفسين، وإيه عبد الرحمن دي، البخل نساك اسمي يا شيخ حامد ولا إيه.. وكمان بتدلعني علشان أنسى، قال عبد قال، يا سلام عليك لما تطنش، هات الشاي يا شيخ.



الشيخ لا يعرف هل هو فوق الأرض أم تحتها، صحيح أنه لا يخاف الموت، ولا يكترث لعزرائيل، ولم يفكر فيه مرة، يشعر أنه أدى الرسالة وزيادة، لكن مجيئه فجأة أربكه على نحو ما، سرعان ما تسللت اليه الرهبة شيئا فشيئا، وأخذ يضحك على نحو هستيري وبصوت عال زادته أسنانه المفرَّغة رنينا.



.. ما عنده الصيع ماليين الدنيا، وقاعدين على كوبري البلد للصبح، سايب البراطيش دول وجايلي !!.



كان النوم قد غلب إسماعيل بعد الرغيف السابع، في انتظار ما لا يجئ، وأخذ شخيره العالي وضراطه القوي المتقطع يختلط بضحك الشيخ الذي أخذ نفسه بالعافية، إقترب منه، لكزه في كتفه، ثم أخذ بيده إلى الدكة الخشبية.



ـ واخدني على فين يا راجل، أنا ها نام هنا.



لم يكترث لتبرمه، ولا لجسمه الثقيل الرزية، جذبه بشدة، وأخذ يسحبه، أحس إسماعيل بشيء بارد أسفل قدمه.



ـ هيه السما شتت هنا تاني يا شيخ حامد ؟، السقف ده باين عليه بينقع.



.. براد الشاي اندلق مني يا حبة عيني.



عدله بصعوبة على الدكة.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
وحيد الطويلة



ذكر عدد الرسائل : 12
العمر : 51
Localisation : egypt
Emploi : k.elsheakh
Loisirs : k.elsheakh
تاريخ التسجيل : 03/07/2007

مُساهمةموضوع: رد: ألعاب الهوى (رواية لوحيد الطويلة)   5/7/2007, 16:13

.. جتك خيبة، وانت تخين زي البغل.

ـ تخين تخين، من دارنا يا خويا، سلامة الدكر البط اللي انت جبته، مش كفايه الشاي طار، اديني سيجارة، ولا ما دبحتوش النهارده ؟.

سحب الشيخ الحِرام الصوف عليه، غطاه جيدا، وتركه خارجا إلى غرفته، تلاحقه ضحكة إسماعيل وبصوت مغلوب.

ـ قال عُبَّد قال، البخل لحس عقلك.

خلع الشيخ هدومه سريعا، وعلى عجل غير لباسه المبلول، تسحب تحت الغطاء حتى لامس ظهر نميرة، مد يده، تحسسها، هذه المرة أفلت من عزرائيل وزاغ منه، في المرة القادمة ماذا يفعل ؟.. يحلها الحلال.. قال بصوت مسموع، ثم أغمض عينيه بقوة، شد الغطاء على وجهه حتى لا يراه إذا أتى مرة أخرى، انزاح بجسده للداخل، حشره في جسد نميرة ليتدفأ بها، ضغط على ظهرها ليطمئن أنها موجودة، ربما ليطمئن نفسه أنه مازال حيا، مرر كفه أمام أنفها يتحسس أنفاسها، قال في سره، ربما يكون عبد الرحمن قد مر عليها، أو أخذها بدلا منه.

.. أنا عارفه إيده ما تطلعش فاضيه، هو خسران إيه؟!.

مغتاظا من نفسه، ناقما لأنه بال على روحه، وممن؟، من عبد الرحمن !!، عبد الرحمن يا حامد !!، أنت لا تخاف إلا من الكبير، أما عبد الرحمن فلم يأت أبدا على بالك، ولم يمر على خاطرك حتى مرور الكرام.. بلع غيظه، واعتدل على جنبه الأيمن في اتجاه القبلة.. فليأت متى يأتي..

هل أنت خائف يا حامد، خائف ؟!، أبدا والله، ربما تكون المفاجأة صدمته، وربما برد الليلة هو الذي عجل بها، وزاده ارتعاشا حتى سمع صوت مفاصله.. وممن يا حامد؟، أقل بني آدم، أحسن من أحسنها ملك،.. يخاف، وهو حامد بن عروسة، وعمه شلضم الحرامي، قتال القتلة، ترك القتيل ينازع على آخره، والدم يشر منه، تركه يطالع في الروح، ومد يده في سيالته، أخذ منها كفوف الحلاوة، أكلها، وتركه يتلقى الموت وحده.

يخاف، وهو حامد بن عروسة، أفنى عمره كله، ستين عاما وهو يخطب في الناس، هو الذي علمهم من هم

الملائكة، وألا يخافوا عزرائيل ولا غيره، ولا يخشونه، لأنهم ذاهبون عند الكبير، وآخر المتمة يرتعد أمام ملك.. لا.. لا يا حامد، ساعة الجد لا تنسى أنه عزرائيل بجلالة قدره.



.......

يتقلب ذات اليمين وذات الشمال، شعر بنفسه خفيفا بين أيديهم، لم يكن مغرما ـ ولو للحظة من داخله ـ بكرامات أحد، ويصب غضبه وسخريته على مدعي الكرامات وخرافات الأسياد، لكن لم لا، لا مانع أن يطير بالنعش ويوفر على نفسه الوقت، وعلى الآخرين طول الطريق إلى الجبانة، ولكن لماذا يوفر عليهم ؟!، وهم الذين قصفوا عمره وأفنوه، نبح قلبه ستين عاما، ولا من مجيب، المسلمون هم هم لا يتغيرون، ولو نفخت فيهم بالمنفاخ.. بلد نصها حرامية والنص التاني بيفكر.

قال أحدهم بصوت خفيض، بعد أن رموا النعش على الأرض :

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
وحيد الطويلة



ذكر عدد الرسائل : 12
العمر : 51
Localisation : egypt
Emploi : k.elsheakh
Loisirs : k.elsheakh
تاريخ التسجيل : 03/07/2007

مُساهمةموضوع: رد: ألعاب الهوى (رواية لوحيد الطويلة)   5/7/2007, 16:15

ـ ده تقيل قوي ياله، زي الرزية.

.. حاسب، حاسب، تقيل الجسم، خفيف الروح.

ـ والله ما انا عارف إن كان خفيف ولا تقيل، ماكانش بيبطل أكل.

يمد يده، يحاول أن يشده من زمَّارة رقبته، لكنها لا تطاوعه، ولا تحركت من مكانها، كأنها يد أحد آخر.

أدخلوه، وعلى عجل أوسدوه، لم يشعر بهم وهم يغلقون الباب عليه، أخذ يتسمع أصوات أقدامهم تخفت شيئا فشيئا، لم يستطع أن يعدل جسمه على أي من جنبيه، ملتصق بالأرض تماما، كتلة واحدة، لم يشعر بقدومهما ولا متى دخلا، عادت إليه خفته عندما شداه وأيقظاه وتوالت الأسئلة، من، من، ومن؟.. استغرب أسئلتهما، وفتح فمه على آخره.

.. أنا حامد بن عروسة، ستين سنة قضيتها في تعليم بهايم البرية، إزاي ياكلوا، ويتأدبوا، وينضفوا نفسهم، ونفوسهم يا بن خالي، وفي الآخر تيجي تسألني أنا ؟!.

أرجعاه لرقدته الأولى، قال أحدهما للآخر :

ـ ليس هناك فائدة ترجى منه، رجل داهية، نرسل له الجماعة الكبار.

قالت نميرة، وهي تهز كتفه بعنف:

ـ والنبي يا حامد، والنبي على قلبك يا حامد، شكلهم إيه؟!

.. شكلهم، شكلهم، .. ناكر أطول من نكير لكميه يا وليه.

سكرا الباب عليه ومضيا، ناكر الأطول من نكير قبضة يد، مضى مثلهما، لا يعرف إلى أين، يعرف فقط أنه هائم، كأنه سابح على ظهره في الهواء، لا يشوب روحه كدر، لكنه قلق قليلا، كأنما تحت رأسه حصى كثير، قلبها يمينا وشمالا ليتأكد أن لا حصاة صغيرة تنغزه، تلمسها غير بعيدة.. وقعتك بيضاء يا شيخ حامد، لكنها ليست قريبة بما يزعجه، لا يدري ان كانت عيناه مفتوحتين أم مغلقتين، حزمة من ضي لا يتبينه جيدا، وان كان يحس به، وعتمة بيضاء، مشوبة بزرقة خاطفة، خاف أن يتقلب على أحد جنبيه فتجرحه الحصاة، حين هم بإبعادها سمع نفيراً يكاد يصم أذنيه .. والله وقعت يا حامد، جسده يعلو خفيفا، تأكد أنه سابح فعلا، وصوت خشن كطرقعة العظام بعد علقة ساخنة بالنبابيت، جسده مازال يعلو، ويتفتق عن بعضه كأنه خارج من شيء هلامي لا يدري كنهه تماما، حين اصطدم رأسه بالسقف، داست قدم عليه وركلته أخرى، نمل، نمل، يا خلق هوووه، لم يكن ليسأل نفسه من أية داهية جاء هذا الجمع، غشيته إغماءة خفيفة كأنما سحابة مرت أمام عينيه، كأنما أدار مؤشر التليفزيون، وجد نفسه بينهن، نساء.. نساء تماما، بهيئة واحدة، وملامح منسوخة، وجوههن ليست حمراء مثل وجه نميرة، وجوه ببياض الشمع، اعتقد أنه يستطيع العثور عليها بسهولة، نميرة أطول وأرفع، وعيناها خضراوان، ورنة ضحكتها وطيبتها في أذنه، وصوتها.. نعم سيعرفها على الأقل من صوتها، هي الوحيدة التي تجرؤ أن تقول له يا حامد مجرداً من لقب الشيخ، يا نميرة، يا نميرة، أخذ ينادي بالصوت الحياني، ولا من مجيب.. أين أنت يا بن عروسه، أنت تهت؟، أحس بمن يربت على كتفه، إلتفت منتفضا.. من؟ هنيه، ضمها بعنف.



.. حمد الله على السلامة يا بنت خالي.



ـ سلمت من الهم.. كنت عايزني هناك يا شيخ حامد، أنا هنا من نصيبك وعلى طول.



ـ على طول لا !، لا يا بنت خالي، كنت عايزك هناك علشان أديك المعاش، أتجوزك كده وكده يعني، لكن على

يتبع......................
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
حمدي علي الدين
المدير
المدير
avatar

ذكر عدد الرسائل : 1252
تاريخ التسجيل : 15/04/2007

مُساهمةموضوع: رد: ألعاب الهوى (رواية لوحيد الطويلة)   6/7/2007, 11:38

طول لا، روقي يا هنيه.

راوغها، انسلت بعيدا، هنيه من الذين غلبهم الزمن، ماتت أمها صغيرة، وهي صغيرة، تكفلت برعاية أختيها وأبيها الضرير، سيدنا، شيخ الكتاب بكبر سنه وهوانه على تلاميذه الذين ينسلون واحدا تلو الآخر، أصبحت أول عريف حريمي في الكتاب بعد أن تركه العريف النذل لكتاب آخر، وعندما جاءها العدل، خطفت الحرب خطيبها فوزي الحمراوي، عاشت وأختاها على ذكراه بعد أن أصر الشيخ حامد ـ الله يستره ـ أن يطلب يدها على سنة الله ورسوله قبل سفرته الأخيرة للموت، وفوزي مثلها مقطوع من شجره ـ لا أب ولا أرض ـ خطفه الموت وخطف معه قلب البنات الثلاثة، كانت تمشي في جنازته وهي تنادي بالصوت المجروح : يا فوزي، يا فوزي، اللي ما لوش ما لوش، اللي ما لوش ما لوش يا خويا.

لان قلبه، تلفت باحثا عنها، وجد نفسه فجأة في مكان آخر.. ايه الليلة اللي مش فايته دي، أرض كلها مغطاة بالجير الأبيض، يسمع صوت ضحكة تارة وصرخة تارة أخرى، قرصه الجوع، لم يأكل منذ زمن بعيد، ولا تكفيه في هذه اللحظة فرخة عتقية بأولادها، يسير ببطء ويده على كرشه يسمع خواءه.

على يمينه بناء أبيض طويل، وعلى يساره آخر بلون كالح، رائحته طالعه تزكم أنفه، رمة، رمة، بدون تفكير أخذ طريقه ناحية اليمين، كان دائما على اليمين، يمين الحكومة، ويمين الاتحاد الاشتراكي، ويمين اخوته، حتى عندما يحلف، يحلف بيمين المصحف، لم يكن للبناء باب، لعله لم يأخذ باله، عبر العتبة دون أن يسمي، أربعة سلالم تهدمت تقريبا، كاد يسقط عليها، ومن عليها، قرصة الجوع مرة أخرى، وقعت عيناه على جبل من الأكل، وجد دكر البط كاملا إلا من فلقة الصدر، أو ورك غائب، كاد يسأل كعادته عن الأوراك والصدور الغائبة.

عندما بلغ منه الشبع مبلغه تساءل في سره عن القوانص والكبد، وجد أطفالا صغارا يلعبون بأشياء غريبة، اقترب وسألهم بشغف عن صاحب العزومة الكبيرة.

.. طهور ده، ولا فرح، وفرح مين إن شاء الله ؟

-- احنا ولاد اليهود والنصارى ياشيخ حامد، لادخلونا هنا ولادخلونا هناك.. ومش عارفين حيودونا فين.



.. وايه الأكل ده كله ؟!.



ـ كنسة أهل الجنة يا شيخ حامد.





.......





في الجانب الأيمن من الجامع، يحلو له أن يلقي درس العصر، الناس جلوس، وهو واقف يحرك جسده يمينا وشمالا، يومئ برأسه إلى الأمام وهو يشرح، صوته يكاد يصل للجالسين على كوبري المصرف، يسند ظهره للعمود، العمود الذي كان أبوه يستند إليه كل جمعه ومن بعده النادي أخوه.



.. ماذا أعد الله للمتقين في الجنة يا أهالي البرية ؟



لمح بطرف عينيه وفا زيت حار بن عمه يضع جزمته على أرض المسجد، هب فيه أن يضعها على الرف الخشب عند الباب.

ـ مالكي.



.. مالكي ونضيف ماله يا خويا، داهية فيك، وفي اللي مخلفينك.



وفا لم ينبس، يرد له الشيخ الصاع صاعين، في الجامع وعلى رؤوس الأشهاد، يعلم أن بن عمه ينتهز أحيانا غيابه عن الدرس ليصنع حلقة حوله، يريد أن يفتي بسلامته على رأي الشيخ إسماعيل، بل يريد أن يحلل للناس على مزاجه مستعينا بابن الهرمة فراش الجامع، الموالسة بين الحقيرين على أشدها.. سوف أقطع الأرض من تحتهما إن شاء الله، وكل وقت وله أذان.



.. أعد الله في الجنة للمتقين يا أهالي البرية ما لا عين رأت (وأخذ يشير بإصبعه اليمنى لعينه)، ولا أذن سمعت يا شيخ سماعين (وأخذ يتسمع بوضع يده اليمنى على أذنه اليمنى).. يعني يا شيخ سماعين، عاوز بط تلاقي بط، عاوز فاكهة تلاقي فاكهة، كل حاجة تيجي لحد عندك، وأنت قاعد، لأنه سبحانه يقول : " وجني الجنتين دان "، يعني يقرب منك بالعربي كده.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
وحيد الطويلة



ذكر عدد الرسائل : 12
العمر : 51
Localisation : egypt
Emploi : k.elsheakh
Loisirs : k.elsheakh
تاريخ التسجيل : 03/07/2007

مُساهمةموضوع: رد: ألعاب الهوى (رواية لوحيد الطويلة)   8/7/2007, 15:23

دفن إسماعيل وجهه في جبته، زام وقال في سره : بط إيه، وفاكهة إيه، أنت حيلتك غير العدس، وإذا طلع من ذمتك كمان ؟!.

انضم وفا إلى الحلقة من أطرافها، وأخذ يتهامس مع الجالسين إلى جواره، عقد الشيخ يديه مابين قفطانه وكاكولته من الخلف، ونظر بطرف عين.

.. قول يا وفا، عارف أسئلتك خايبه زيك.

ـ يعني يا حامد يا بن عمي، الجنه فيها فسيخ ؟!

أطرق هنيهة ثم وضع يده اليسرى على أذنه اليسرى.



.. أنا هنا الشيخ حامد مش حامد بن عمك يا نطع، حامد بن عمك دى هناك في الغيط، ثم على كل حال النفس الخبيثة وما تشتهي !!

قالت نميرة، وهي تهز كتفه بعنف لا يخلو من دلال:

ـ كنت عاوز ترجع يا حامد ؟

.. أرجع منين يا نميرة ؟، أنا صدقت أستريح منك!!

بطنه تكاد تطرشق من الأكل، خبط عليها، لا صوت لها، ليس بها خرم إبرة، هب منتفضا وفي يده دبوس فرخة، ربما حين يقف يجد مكاناً له.. عين البني آدم أوسع من النار يا حامد، وجد نفسه وحيدا، وسعاية لا حد لها، وعلى حد الشوف قليل من الناس، منذ برهة كان الجمع الغفير يشغي كالنمل، ويغطي الأرض، والله طربقت يا حامد، أزاح عن رأسه ولملم حاله ومحتاله، وإذا بصوت حاد من آخر الوسعاية يكاد يخرم طبلة أذنه، ينادي : حامد بن عروسة.. حامد بن عروسة.



.. بصوت طويل ممتد..... جايلك يا خويا.



ـ احضر ميزانك يا حامد.



لم يستطع أن يحصي عددهم، ولا شغل باله.. جابت آخرها يا وله، تحلقوا حول الميزان، يشبه ميزان مضرب الأرز الذي توزن عليه الأجولة.. قائم حديد، وله رمانة بنية اللون من كثرة الاستعمال، تتحرك يمينا وشمالا، علقت قفة في الناحية اليمنى ومثلها في اليسرى، مصيبة سوداء لو كان مثل ميزان عمك الحاج قرد الذي يغالط دائما وبإصرار في ميزان أجولة العائلة.



تقدم ناحية القفة اليمنى خلسة، يكاد يسمع صوت مفاصله، تعلق بقائم الميزان كي يرى ما بها، دفعه أحدهم بقوة بعيدا.



.. يا بني دي حسناتي وعايز أشوفها.



لم يكترث له أحد، وجوه محايدة، ليست طيبة، ولا شريرة، أوقفوه في نص الميزان على الدرجة الحديد المعلقة به وضبط أحدهم ـ غير الذي دفعه ـ رمانة الميزان، لم تكن به رهبة، أحس أن الخرس شل أعضاءه وألجم لسانه.. راحت عليك يا بن عروسة طول ما أولها عزرائيل، تحركت الرمانة، واصطدمت الريشة بصرير القائم الحديد، دمه نشف، تأرجحت الرمانة ناحية اليمين وعادت سريعا إلى الشمال، ثم

مالت فجأة وأخذت تتدرجح ببطء، قلبه وقف وعينه تسمرت، والرمانة بطيئة، تستوي قريبا من المنتصف، روحه تتأرجح معها، وقدماه تكلبشتا في السلمة الحديد، والرمانة تشاور نفسها، تتململ مهتزة، تهزه وتعصره حتى سكنت في المنتصف تماما، صرخ ـ لا يعرف من أين ـ بكل ما يملك، دفعه الذي دفعه من قبل.. اتلهي على عينك، رماه على الأرض، انتفض كابن العشرين، وهب واقفا على حيله:

.. على الطلاق ما انا داخل النار.

ـ ولا داخل الجنة.

.. روح، إلهي تندعك في دماغك.

كالغزال يعدو، خفيفا متراقصا، يزهو برأسه يمينا وشمالا، لم يعد يهمه الشمال ولا غيره، أرض واسعة لا أحد بها، مضيئة بنور لا يعرف مصدره، ومن بعيد لاح له طابور طويل، توقف فجأة، الطابور يبتعد حتى يكاد يختفي، جلس على الأرض يأخذ نفسه، شبك يديه على ساقيه، لو معك حسنة، حسنة واحدة، راحت السكرة وجاءت الفكرة يا حامد، لو كانت معك لطب الميزان ورجحت الكفة اليمنى، طول

عمره وهو في اليمين، يا خبر أسود لو كان فكر مرة في اليسار، مرة واحدة فقط، الحقيقة أنك فكرت كثيرا في اليسار يا حامد، حتى ولو لم تتخذ قرارا، فكرت وسمعت إذاعة لندن، وشتمت المسلمين، وسخرت من مشايخهم كثيرا.

لا يا حامد، المسألة ليست كذلك بالضبط، ليست في الكلام الكبير يا بن خالي، المسألة في الفعل يا حامد، لو أنك قسمت دكر البط مرة واحدة على أخوتك ـ حتى ولو لم تكن عادلا ـ لو أعطيت القونصة والكبدة مرة لنميرة، مرة واحدة من نِفْسها، لو لم تعنفها حين أعطتها لأمك من وراء ظهرك، وادعت أن القطة خطفتها، لو لم تحرمها من الحوايج في ذلك اليوم عقابا لها، لو لم تقصر ذات يوم عن درس العصر، حين كنت تتكاسل أيام الشتاء، الأمر يحتاج إلى حسنة واحدة، حسنة صغيرة يا حامد، كان يمكن أن تلحقك لو لم تأخذ فراش الجامع بجريرته، وأشفقت على أولاده وأولاد أخيه اليتامى الذين يجري عليهم، لو لم تسخر من ابن عمك في المسجد، لا، لا يا حامد، انهم يستحقون وأكثر، أفسدوا البرية، وأخذوها

على هواهم، ربما لو فعلت ذلك، وأكثر من قبل لجاءتك الحسنة تجري وحدها.

انتبه على شارع جانبي يكاد نوره يفيض على الشوارع المجاورة، بسرعة دخل إليه، وجد أمه عروسة، تجلس ممددة ساقيها، سعيدة، وعلى وجهها ابتسامتها المطمئنة إياها.

.. أمه، أنا حامد حبيبك، أنا سرقت عليك البيض والدرة الاصفر من ورا أبويا، وجبت لك المعسل.

ـ وعايز إيه يا ضنايا.

.. حسنة واحدة يا أمه.

ـ أبعد عني يا حامد.

.. أنا سرقت عليك أيام المجاعة علشان تاكلي وتعيشي.

ـ أبعد عني يا حامد.

.. حسنة واحدة بس.

ـ والله لو عملت السبعة.

.. طيب نص حسنة.

خبر أسود ومنيل بنيله، إذا كانت أمي لم تعطني حسنة واحدة، وبقجتها أمامها متروسة على آخرها
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سعيد شحاتة
مشرف مؤسس
مشرف مؤسس
avatar

ذكر عدد الرسائل : 665
العمر : 38
تاريخ التسجيل : 16/04/2007

مُساهمةموضوع: رد: ألعاب الهوى (رواية لوحيد الطويلة)   10/7/2007, 23:59

ايه الجمال ده
رائع والله
الأولمب سعيد جدا بالمبدعين الكبار
فمرحبا بابداعك الجميل يا استاذ وحيد

_________________
أنا خيلك لما خيول الناس
تهرب م الناس
و أنا فكرة فى راسك
لما الفكر البكر يضيع من سكك الراس
وأنا أحلى بيتين للشعر
اتكتبوا على الكراس

http://saidshehata.blogspot.com/
سعــــــــــــــــــــيد
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://saidshehata.blogspot.com
وحيد الطويلة



ذكر عدد الرسائل : 12
العمر : 51
Localisation : egypt
Emploi : k.elsheakh
Loisirs : k.elsheakh
تاريخ التسجيل : 03/07/2007

مُساهمةموضوع: رد: ألعاب الهوى (رواية لوحيد الطويلة)   12/7/2007, 06:48

تكاد الحسنات

تنط منها، من يعطني إذن.. وقعتك سوداء يا حامد، ليس سوى النادي، أخوه وحبيبه، حامد لم يحب أحداً مثل النادي، ورغم أنه الكبير، إلا أنه كان يتأخر ويقدمه على نفسه، صحيح أن ذلك لم يكن يحدث وهم جالسون على طبلية العشاء، لكن النادي نفسه عفيفة، مسامح ومترفع، وأفنى عمره في خدمة برية عفنة، ولابد أن بقجته ممتلئة عن آخرها، يكفيه ما فعله من طرق، ومدارس ومصنع حتى لا يجوع الناس، يكفيه أنه وقف بجانب كل ضعيف، لا، لا.. بل يكفيه أنه لم يترك قويا يأكل حق ضعيف، وأيامه الأيام الوحيدة التي شم فيها الغلابة نفسهم.

.. يا نادي يا خويا.

ـ إحمد ربنا يا حامد أن أخوك دخل الجنة.شعر بالكسوف يغطيه من ساسه لراسه، حتى أخوه غير الشقيق أدار وجهه، كز على أسنانه : إذهب لأخوتك الأشقاء.. حسنة بمليم يا حامد، حسنة واحدة، وتصل للبريمو، وتأكل الديك الرومي وحدك، والنساء مثل لهطة القشدة حولك من كل ناحية، فلتبحث عن أبيك، رغم أنك كنت تخاف منه

خوف العمى، لكن المسألة تتجاوز الخوف ـ الحمد لله أن نجاك من التهلكةـ وزيادة الخير خيرين.

غالب نفسه، لكنه لم يستطع أن يذهب إليه، هز رأسه، وجدتها.. لم يبق إلا الشيخ إسماعيل مؤذنك، والوحيد الذي يأكل في دارك دون حساب، ولولا أنك تحبه ما ذاق النعمة عندك، حتى ولو كان أعز قريب لأمك، وحتى لو كان من طرف عزرائيل نفسه، ولابد أن إسماعيل لديه حسنات كثيرة تملأ قفف البرية كلها، يكفي أنه حرم من نعمة البصر، ثابر وصبر، وأخواله العمد أكلوا حقه في ميراث أمه، وهو يتيم، وعاش كفيفا عفيفا لا يسأل أحدا وإن تدلل، صحيح أن ضراطه كاد يحرق الحصيرة مرة، والحِرام مرة أخرى، لكن لا تثريب عليه، لم يكن أمامه إلا العدس والكرنب، وإن وجدهما يكون أبو زيد خاله.راقته الفكرة، ومخمخت في رأسه، دار من فوره يبحث عنه، وجد الطابور الذي رآه من قبل، وقد تناقص عدده، أناس عرايا في يد كل منهم ورقة صغيرة، كأنها تذكرة قطار، أحس أن ساقيه تتحركان ببطء كلما أقترب من الطابور،

وقدماه تتثاقلان، عقد عزمه، ربما كانوا يوزعون شيئا، انضم إلى الطابور من منتصفه تقريبا، سأل الذي يقف أمامه، أجابه بأنه طابور الجنة، يكاد يلتصق بالأرض، يتحرك بصعوبة شديدة، والواقفون خلفه في الطابور، يتعدونه ويمرقون منه سريعا، أخيرا، وجد نفسه وحده في الطابور، أمام الباب مباشرة، جف حلقه وساقاه تسمرتا، سأله الواقف على الباب، المتين البنية:

ـ تذكرتك فين ؟.

.. تذكرة إيه ؟!.

ـ تذكرة الدخول.

.. تذكرتي.. تذكرتي، وقعت مني، حأدور عليها وأجيبها لك.

ضربه تحت بزه الشمال.. جايين تكدبوا هنا كمان.

نميرة تربت بحنو عليه وتسأله:

ـ يعني ما لقيتش الحسنه يا حامد، ولا مع أي حد من البرية خالص.

يتحسس صدره بكلتا يديه، يؤلمه بشده من ناحية الشمال، أسفل بزه تماما.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
وحيد الطويلة



ذكر عدد الرسائل : 12
العمر : 51
Localisation : egypt
Emploi : k.elsheakh
Loisirs : k.elsheakh
تاريخ التسجيل : 03/07/2007

مُساهمةموضوع: رد: ألعاب الهوى (رواية لوحيد الطويلة)   12/7/2007, 06:49

.. هما ولاد الكلب دول يا نميرة، كانت عندهم حسنات من أصله.











عند كوبري المصرف، وقف ينتظر سيارة تقله إلى الغبايشه، التاسعة والنصف تقريباً، الوقت لا يزال مبكرا على صلاة الجمعة، كعادته يعمل حساب الوقت بالثانية.يوم الجمعة تكون السيارات شحيحة، والسائقون سهروا يحششون حتى الصباح، رفع ذيل كاكولته متحاشيا برطة جلة مفرطحة على الأرض، برطم بصوت عال، تمشى خطوتين، وركن ظهره على المقعد العريض للكوبري، أخذته عينه إلى لافتة رخامية قديمة، التقط طرف عود حطب جاف، وأخذ يعبث في ثناياها، احتشدت بالتراب ونثار الجلة.. كوبري

مصرف أبو شبارة.. قطيعة أبو شبارة والكل كليله، الريحة وريحة الريحة.. حمولة 5 طن، لم يتبين عام انشائه جيدا.

رفع بصره وأشاح بيده إلى سيارة مسرعة تخطته، وخلفت وراءها غبارا كثيفا، كانت الشمس قد خرجت من منامتها، خلع العمامة، ومسح عرق جبينه المختلط بغبار الأتربة، تمتم ـ ولا أحد حوله ـ آه يا زواني يا ولاد الكلب، سواقين حوش بصحيح.

تجلجل ضحكته الساخرة التي تحضره عند أي شيء يضايقه، أو يستعصى عليه.في طلعة النهار، أوقف نميرة في وسط الصالة الفسيحة لداره، دار كبيرة بالطوب الأحمر والمونة الخضراء، ورثها عن أبيه، وأربعة أخوة، تزوجوا وتركوا له الدار، وصورة أبيهم ببروازها السميك، هو الكبير، وهو شيخ الجامع، تزوج نميرة، أم العيال والبركة الكبيرة، حوطت عليه وبرت بأهله، أوقفها، دار حولها ثم ضبط أكتافها، وضع طربوش العمامة فوق رأسها، وفي تؤدة أخذ يلف الشال عليها، يرشق دبوسا

هنا، وآخر هناك، يشكشك نميرة مرة بعد أخرى، وهي بين الصراخ والضحك.. وبعدين معاك بقه يا حامد.

وهو في هيئة أبي الهول، وجهه صامد صامت أمام تبرمها، وحين ينتهي من آخر دبوس، يتحول فجأة لهيئة ثعلب نعسان، يخفض حاجبا ويغمز بآخر، يربت عليها ويقول : كتر خيرك يا بت يا نميرة.

عندها تطلق زفرتها، وانفراجة مباغتة تعم أساريرها، يتأهب لأخذ العمامة من فوق رأسها، وفي لمح البصر يلطشها على وجهها، وقبل أن تطلق صراخها يكون قد أخذها بالحضن، وهو يقهقه عاليا كجمل طلوقة، تقرصه وتتملص منه، تنزاح عنه وهي تقول :

ـ وبعدين معاك يا حامد، مالكش حق يا حامد.

.. ده بركة يا نميرة.

ـ خليلك البركة بتاعتك يا خويا.كاكولته على حافة السرير، يمشطها بالفرشة التي اشتراها وقت تعيينه، يسوي قفطانه المضلَّع اللامع، يدندن بتوشيحة لطه الفشني، يتعجب منه دائما، كيف واتته الشجاعة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
وحيد الطويلة



ذكر عدد الرسائل : 12
العمر : 51
Localisation : egypt
Emploi : k.elsheakh
Loisirs : k.elsheakh
تاريخ التسجيل : 03/07/2007

مُساهمةموضوع: رد: ألعاب الهوى (رواية لوحيد الطويلة)   12/7/2007, 06:51

ليترك قراءة القرآن إلى غناء التواشيح.. أما راجل صهبنجي بصحيح.

هو الوحيد الذي نافس مصطفى إسماعيل في زمانه، يضع العمة فوق صدر الكاكولة، وعندما يطمئن على تمام عدته يطلق جاعورته.. يا بت يا سناء.. يا بت يا سناء، وسناء أعدت عدتها من ليلة أمس، ملأت البلاليص من الحنفية العمومية، ووضعتها في زاوية الحوش الذي يلاصق الدار مباشرة، يفصل بينهما باب كبير، به خوازن البط والفراخ والوز، أما ديوك الملطي فهي لا تبيت داخل خزانة، تسرح في قلب الحوش، تقلب جفنها الرامش دوما وتلمع عيناها ليلا حين ترى العفاريت أو الشيخ عزرائيل كما تقول نميرة.تحمل سناء الطشت والإبريق النحاس، تصب عليه ليتوضأ وضوء الجمعة، وقبل أن يغسل يديه، يرفع ذيل جلبابه القصير دوما، يربطه عقدةً حول وسطه، يبدو سلط ملط، يا مولاي كما خلقتني، ذكره في سابع نومه، وهي تصب الماء عليه ليطهره، تدير وجهها إلى ناحية بعيدة، تخنق

ضحكتها، وتحاول أن تمسك نفسها، يترجرج جسدها فتنحرف المياه عن مسارها، متناثرة من بزبوز الإبريق بعيدا عن ذكر الشيخ.

.. رفعي الميه واعدلي إيدك يا بنت الرفضي، فالحه تسهري مع بن المناصرة لانصاص الليالي.

ينتقل في خفة من تدليك ذكره إلى محاشمه، ينفرط جسدها ويندلق الماء دفعة واحدة من حلق الإبريق الذي يسقط بدوره على الطشت النحاس محدثا فرقعة عالية، يترك ما بيده ويجري خلفها، صوته يجيب آخر البرية، بينما دكر الوز يرفرف بصوت غليظ في خزانته.

........


سيارات أولاد ال...، لا تُعبِّره، يتحسر على سواقين زمان الذين كانوا يتوقفون من نفسهم لمجرد رؤية عمامة حمراء، دخل المشايخ الاتحاد الاشتراكي والاتحاد القومي، وأفسدت السياسة صورتهم لدى العامة، وهو من يومه لم يكن

يكترث لذلك، يسخر من القداسة التي يرسمها الشيوخ على وجوههم، ويخرج لسانه للعوام الذين يمرمطون أنفسهم فيها.

أراح مؤخرته على سور الكوبري، بعد أن رفع ذيل الكاكولة والقفطان، بان جوربه وحذاؤه الأبيض... لم يغيره مذ كان إماما لمسجد الدقي في بداية مشواره كإمام وخطيب، الحذاء كما هو كأنه خرج لتوه من عند القزاز، يلمعه بنفسه من آن لآخر ويلبسه مع نظيره الأبيض أيضا، مرة أو مرتين في السنة وفي الصيف فقط، ولا يعتقدن أحد أنه أهلك حذاء يوما ما طالما ظل بعيدا عن رجل ابنه الدمرداش.

مياه المصرف قليلة غائرة تتجمع في المنتصف تاركة جانبيه، منحسرة عنهما، وطرح المصرف من الناحيتين جدب، تنبت عليه جيوش من ذيل القط، وبعض الخضرة الشيطاني يلقفها البط بمناقيره، في طريقه لالتهام العدس الأخضر الطافي على سطح المياه، يمكث طول النهار ثم يعود لينام ليلا بالطرح، في جماعات تعرف بعضها بعضا.ينام البط بالشهر، لا يقترب منه أحد، ولا ينقص عدده، إلا عندما تأتي إحداهن لانتقاء دكر معتبر من أجل ضيف أو

طهور، أو إقامة ليلة لشيخ ودراويشه لجلب الخلف، أو لمنع النحس وفك العكوسات.

يكز الشيخ على أسنانه، انهد حيله، وهو يحاول إيقاظ الدمرداش كي يتهيأ للصلاة، ينظر مغتاظا للبط الذي أصبح تسلية الدمرداش في الرايحه والجاية، يكتم في قلبه، ويربط على بطنه زلطة، يكاد يموت كمدا، كيف يقف على المنبر لينهي الناس عن السرقة، وابنه سرق ربع بط البرية وحدها، والنسوان على باب الدار كل صباح تقريبا، يشتكين الدمرداش ويطلبن العوض، ونميرة تطيب خاطرهن حتى لا يطلع صوتهن في الشارع ومعه الفضيحة، والشيخ يدفع التعويض تارة، ويعطي إحداهن بطة تارة، والنسوة بوجه مكشوف يفاصلن، يردن دكرا، وزوجة ربيع الجشع تريد ذكرا مجنسا أو خضاريا، أو قيمته نقدا، مع أنها وزوجها وعيالها لا بط لديهم، أو فراخ من أصله.

وقف على حيله فجأة، اصطدم دون قصد براغب، وهو يحمل على كتفه جوالا مكبوسا على آخره، أشاح بوجهه بعيدا.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
حمدي علي الدين
المدير
المدير
avatar

ذكر عدد الرسائل : 1252
تاريخ التسجيل : 15/04/2007

مُساهمةموضوع: رد: ألعاب الهوى (رواية لوحيد الطويلة)   13/8/2007, 13:06

ـ السلام عليكم يا عم الشيخ.

ودون أن ينتظر الرد مرق بسرعة كأن كلبا عضه، وأنات مخنوقة تتسرب من الفتحات الضيقة للجوال.

.. عليكم السلام يا حرامي يا بن الحرامي.

........




السائقون أولاد ال ... لا يتوقفون، أخيرا حن أحدهم، تيوتا وشخصان بجوار السائق، ترجل الذي على اليمين، وحلف باليمين أن يركب الشيخ قدام، ودون أن ينتظر ردا قفز في الهواء الطلق بجوار بقرة مربوطة جيدا في الصندوق الخلفي.

ـ نورتنا يا با الشيخ، على فين أمال.

.. رايح الغبايشة يا ولادي.

ـ ملقيتش أبعد من كده، ما تيجي تخطب عندنا النهارده.الغبايشة، هي القرية الأخيرة على طول الخط، تلامس البحيرة تماما، يجتاحها الغبش شتاء قبيل المغرب حتى ضحى

اليوم التالي، تعيش على صيد الأسماك وبيعه للقرى المجاورة، لا كهرباء، لا ماء، فقط نصف طريق مترب، تأتي عبره السيارات، تنقل السمك لبندر دسوق البعيد، الغبش الذي يغطيها، يمنعها على غير أهلها، ناسها لم يخرجوا منها، ولا غامروا، تأتي إليهم المدينة تحت إبط تجارها، وعلى وقع عجلات سياراتهم، يبادلون ببضاعتهم القماش والشاي والسكر.

تسقط السيارة في نقرة، وتصعد من دحديرة، وعمامته تصطدم بالسقف، يكبسها جيدا وصوته يعلو : مدد.. مدد يا أبا العينين، مدد، مدد يا سيدي إبراهيم يا دسوقي، يبدو شاردا، وكل حين وحين يرمي كلمة للسائق، تعلو ضحكته بسبب وبدونه، يتفحص يافطات القرى: برية أبو غانم، برية الملاحة، الروضة، الشرنوبي، عزبة عبد اللطيف أبو حسنين.. حتى عبد اللطيف المفش الحرامي له عزبه باسمه.

قرى كئيبة، بيوت رمادية قصيرة القامة، وحارات ضيقة يكاد الشباك في ناحية ينط على زميله في الناحية الأخرى، برك المياه كما هي من أول الشتاء، ماؤها راكد لا يتزحزح.

جده البحيري الكبير بسلامته كان لصا عظيما، نزح مع قبيلته إلى البراري في يوم لم تطلع له شمس.. أرض بور مالحة بعيدة عن أعين الحكومة وعن شنب القاضي.. تلوح منه ابتسامة خفيفة يقطعها السائق :

ـ إشمعنى الغبايشه يا با الشيخ ؟!

وهو على لحف الغيط، كعادته كل يوم.. والوقت صفاري شمس، بجلبابه القصير إياه، بيده صفيحة فارغة، وعود حطب ناشف يدق به.. ينادي عمال على بطال.. هوي، هوي، كي لا تسرق العصافير نبتة الأرز الطرية قبل أن يشتد عودها، رآه قادما.

ـ السلام عليكو يابا الشيخ.

.. وعليكو.

ـ سايق عليك النبي، وحياة مقام إبراهيم الدسوقي يا شيخ تخطب عندنا الجمعة الجاية، عازمك أنت واللي تحب.

.. على طول كده من الدار للنار، أخطب عندكو فين، أنت منين يا بن خالي ؟

ـ أنا تاجر تموين يا شيخ حامد، من الغبايشه.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
حمدي علي الدين
المدير
المدير
avatar

ذكر عدد الرسائل : 1252
تاريخ التسجيل : 15/04/2007

مُساهمةموضوع: رد: ألعاب الهوى (رواية لوحيد الطويلة)   13/8/2007, 13:08

أغمض عينيه وأطال، خبط كفه على صدره مرات.

.. يا خبر أسود، الغبايشه حته واحده، أرجع أجيب من أول زرع وحصد، دا انتو يابني بتغلطوا في الفاتحه.

عند المعدية الصغيرة لم تكن هناك يافطة، الغبش والملح أتيا عليها، ترجل من السيارة، ودعوه وانصرفوا ضاحكين.
ترجل في حارة ضيقة، متعرجة، نتوءات من أكوام طين متحجرة تجبر السائر أن ينتحي جانب الطريق بحثا عن مدق، الشيخ يحب الشتاء وتوابعه، المرقه الساخنة، ولحمة الرأس مرورا بالبرايم المعمرة، وانتهاء بالديوك الرومي، لكنه يكره النتوءات التي تخلفها الجرارات الزراعية في الطرق الترابية التي أهلكها المطر شتاء، تطل برؤوسها الحادة أول الصيف، إلى أن تأتي عليها الأقدام والسيارات العابرة بعد شهور، عندها تكون العواصف والزعابيب قد أعلنت قدومها، وتعود ريما لعادتها.. لكن ما باليد حيلة، والجرارات بمقاطيرها الكبيرة وعجلاتها الضخمة هي الوسيلة اليتيمة للوصول للقرى البعيدة في الشتاء، وإلا انقطعت عنها سبل الحياة.. تنطبع ابتسامة ساخرة على وجهه، يكاد يضحك بصوت عال،

يتذكر نميرة وهي تودعه صباحا بعد أن برئت من الشكشكة ولطشة الأسبوع.

ـ ما لقيتش غير سفند القرود دي يا خويا تخطب فيها ؟!

انتبه على امرأة تقذف ماجور مياه في وسط الحارة، بسرعة البرق شد ذيل كاكولته وقفطانه، حمد الله أن الطرطشة لم تصل إليه، جارتها تطل من شباك مقابل.. يا بختك، طول الليل مولعه اللمضه، يديله الصحة ياختي، قالت الأخرى بصوت خفيض: هما الرجاله قادرين يا حبيبه، وحياتك هي مره واحدة ما في غيرها.. عندما وصلهما صوت نحنحته، صكتا الشبابيك بسرعة الريح، بسرعة عبرهما وزر عمامته يتأرجح خلفه.

استغرب حين لم يجد أحدا من الرجال في انتظاره، أو صبية تدله على طريق الجامع.. عزومة أونطه والا ايه، أمال فين ولاد الهرمة دول.بفطنة العارف اتجه إليه بعد أن شاهد المئذنة عند وصوله، راعته الهوجة التي رآها، القرية عن بكرة أبيها في

الوسعاية أمام الجامع، حلقة غير منتظمة، عندما لمحوه بدأت الأصوات العالية المتداخلة في الهبوط تدريجيا حتى اختفت.

اندفعوا نحوه، أخذوه بالغمر، يقبلون يديه، والبعض يتمسح به، نصفهم بهدوم الغيط، والباقي بالبدلة العبك لزوم الصيد، أحدهم عبطه من وسطه، وانهال عليه تقبيلا ـ النبي جه ياولاد، النبي جه يا ولاد، أزاحه بقوة.. نبي في رقبتك منك له، راحت عينه إلى وسط الحلقة، فتح فمه على آخره، راغب الذي رآه من ساعة فقط، ملقى على الأرض، مكتف بالحبال، وآثار علقة محترمة على وجهه، أخذهم شيء من الكسوف، وبدا أحدهم دون اتفاق يفك وثاقه.قبل أن تبدأ الخطبة، اختلى به مؤذن الجامع، أفهمه أن راغب حط في القرية قبل قليل، وفرد جوالا به عشرون دكر بط، ليبيعها للمصلين، راح يخرج دكرا وراء آخر، اكتشفوا وهم فاغرو الأفواه، أن البط جثة هامدة ، اختنق في الجوال، وراغب أسقط في يده، أخذ يقلبه الواحد تلو الآخر كالمسعور، لم يكن من الصعب أن يستنتجوا أن البط مسروق، وأن

راغب حشره فوق بعضه فلقى حتفه، فاستحق أن يوثقوه، ويعطوه المليحة.

.. أنتوا عارفين ربنا خلق آدم ازاي يا بتوع الغبايشة يا أمراء؟.

كان الجامع قد امتلأ عن آخره، أكثرهم من الصيادين، والباقي فلاحون أتوا من القرى المجاورة، لم يبق مكان للصبية، تشعبطوا على شبابيك الجامع من الداخل والخارج، راح يتفحصهم، الناس بسحنة واحدة كأنهم ولدوا لأب واحد وأم واحدة، بأنوف مكعبرة، وجوه عشش فيها الكد، تنضح بالتعب والشقاء وكثرة الخلفة، استغربوا أنه لم يصعد المنبر، راح يتجول وسط المصلين في الصفوف الأولى، لكزوا بعضهم، وحين علت همهمتهم، قطع كلامه: اللي حيتكلم كلمة واحدة حأطلعه بره الجامع.

.. ربنا قال يا جبريل هات لي أنضف صولة طين في المحيط الأطلنطي.. انتوا عارفين المحيط الأطلنطي ده قد ايه ياولاد.. هه، أكبرمن بحر السخاوي الغول ده ميت مرة.

ـ ياااااااه.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
حمدي علي الدين
المدير
المدير
avatar

ذكر عدد الرسائل : 1252
تاريخ التسجيل : 15/04/2007

مُساهمةموضوع: رد: ألعاب الهوى (رواية لوحيد الطويلة)   13/8/2007, 13:09

انفتحت الأفواه على آخرها، ولم تعد.

.. بحر السخاوي إذا كان عرضه عشرة تمتار، فالأطلنطي ده ييجي أكثر من خمسة سته كيلو بالعرض.

راحوا يضربون كفا بكف.

.. جبريل خد ديله في سنانه، قب، غطس، جاب أنضف صولة، قال له حاسب، حتحطها فين؟، حطها في الحتة النضيفة دي، انت عارف أنا حأعمل منها مين ؟.. آدم.. آدم.

غلف الصمت فضاء الجامع فاستأنف.. انتوا مش عارفين قيمتكم عند ربنا يا ولاد.

.. ناداه مرة تانية علشان يجيب صولة غيرها من المحيط الهندي..

.. انتوا عارفين المحيط الهندي ده قد ايه بقه يا جماعة.. علشان تعرفوا انتوا غاليين عند ربنا قد ايه، يا بتوع الغبايشة يا أمراء، أكبرمن بحر النحال عشرين مرة، أقله.
كانت الأفواه قد تعبت من الفتح والقفل، وبانت الأشداق والأسنان الفضية، وغطت الدهشة ملامح المكان.

بحر النحال هو البحر الكبير الذي يروي كل البحار والترع الأخرى، لم يره أحد من الحاضرين، يعشش في أذهانهم ويكبر مثل أمنا الغولة وتأتي معه النداهة أيضا، وهو الذي كان يأتي بالسردين النيلي الملفوف والطمي.

.. وبعدين جمع الملايكه، الملايكه نزلوا على الطين حتتك بتتك عملوه معجنه، وسابوه كام يوم لحد ريحته ما طلعت، انتوا عارفين الطين لما يطول، يعطن وريحته تطلع..

اكتسى وجهه بمسحة من الجد وغمرته حدة .. بسم الله الرحمن الرحيم (ونفخنا فيه من روحنا).. فووووو.. فووووو




لم يأكل الشيخ أكلة السمك، اختلفت العائلات فيمن يأخذه للغداء، واحد في الزحمة قال: علي النعمة من نعمة ربي الصلاة دي باطله، جملته خرمت أذن الشيخ، لكنه فوتها وضرب طناشا عليها، واحد غيره حلف بأيمانات المسلمين أن هذا الشيخ خريج نفسه ولا عمره دخل الأزهر ولا شافه، واحتدم الخلاف، وانتهى الأمر بجملة من هنا، وأخرى من

هناك وشتيمة من هنا، وشومة خفيفة من هناك، قامت الدنيا على بعضها وابتدأت المعركة.

.. أيه اللي جابك هنا يا بن عروسه، ومين اللي شار عليك بالشورة المهببه دي.

نفذ بجلده، انسلت من خلف الجميع، واخذ يجري بالمشوار، وكما جاء وحده، خرج وحده.

في الحارة الضيقة تعرضت له المرأة التي رمت ماجور المياه.

ـ على فين يا سيدنا الشيخ، لسه ما شبعناش منك، سايقه عليك النبي...

.. أنا اللي سايق عليك النبي.

ـ بركاتك، وحياة النبي تعمل حجاب لجوزي.

يلتفت وراءه ويحاول أن يمرق منها.

.. ماله يا ست ؟
ـ صحته دايما مدعبلة، وبعافية على طول، ونفسه مصدودة، حجاب يخليه جامد، ويوقفه على رجليه على طول.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
حمدي علي الدين
المدير
المدير
avatar

ذكر عدد الرسائل : 1252
تاريخ التسجيل : 15/04/2007

مُساهمةموضوع: رد: ألعاب الهوى (رواية لوحيد الطويلة)   13/8/2007, 13:12

.. يا خبر أسود ومنيل، على آخر الزمن أعمل أحجبه، خليه ياكل كومي في السمك يا ست.

ـ طب والحجاب !!

ينهب البقية الباقية من الحارة، عند موقف السيارات لمح راغب يداري خزيه ويقفز في الصندوق الخلفي لسيارة عابرة توقفت له. كالريح نط بجوار السائق، راح يحثه على الابتعاد سريعاً قبل السلامات والطيبات، أمضى الطريق صامتاًَ، عابساً، حريقة دخان، يشعل سيجارة من طرف أخرى. هبط دون أن يدفع الأجرة، أصطدم بأبو الفصل الأعرج برجله الواحدة وعصاه الخشبية، أبو الفضل الهارب من جريمة قتل في الصعيد، حاولوا الثأر منه، حين طخوه لم يقتلوه، أصابت رجله الغرغرينا من كثرة الرصاص، قطعوها، خاف من المكتوب، هج إلى البراري في آخر الدنيا، يعيش في برية أبو عيسى، قرية الشيخ، يتركها ليلة الجمعة، يتملكه الهاجس بأنهم سيصطادونه يوم الجمعة بالذات، وساعة الصلاة تحديدا، ينهشه الخوف، يبيت كل ليلة جمعة في قرية أخرى، اعترف

يوما للشيخ بأنه حرامي قديم، لكن ربنا تاب عليه ولولا حكاية التار دي.

ـ حمدللـه ع السلامة، عملت إيه فى الغبايشة يا أبا الشيخ؟

.. توبة من دى النوبة، هو انت صليت فى البلد ياله؟

ـ كانت صلاه ولا كل صلاه، هى الصلاه تنفع من غيرك يا أبا الشيخ بالأمارة.

.. ليه، هو حصل إيه يا أبو ....

لم يكمل جملته، ميكروفون الجامع يلالي على الترعتين :

ـ فيه رومية قايمه من على البيض، بتاعة نجاح بنت ابو شبارة.

كتم أبو الفضل ضحكته حين رأى الوجوم يغطي وجه الشيخ.

ـ إليكم هذا النبأ الهام.. إليكم هذا النبأ الهام، فيه عشرين دكر بط ضايعين بتوع الحاج كمال أبو شبارة، كانوا نايمين في المصرف البارح، واللي يلاقيهم أو يدل عليهم له دكر حلاوة،

كان راغب قد زاغ عند مدخل القرية، والشيخ يتقدم أبو الفضل الذي تجمع حوله الصبية، يصفقون وينادون.

ـ يا ابو الفضل يا ورك الديك

لا بتخلف ولا بتحيك..

توقف عند بائع السمك، نادت عليه الفنجرية بائعة الخضار والفاكهة.

ـ يا شيخ حامد، مَزْمِز بعد السمك.. كيلو بلح حياني علشان خاطر عيونك.

لملم الأكياس، تحسس جيب كاكولته لدفع الحساب، اكتشف أن المحفظة طارت.

كأن أحدا لطعه على قفاه في غرفة مظلمة، خازوق أتاه من حيث لا يحتسب، طعمها مر يا حامد.. تتسرق يا حامد، لم يكن من السهل عليه أن يتقبل الأمر، ما بالك أن يبوح به، وهو من هو.. ابن من.. ابن البحايرة الكبار.. شراطي الجيوب، وحرامية الكحل من العين، الذين أسسوا ـ ولا فخر ـ مهنة السرقة في المهجر، وضعوا لها قواعد وأصولاً وتوارثوها أبا عن جد كما يليق بتركة حقيقية بعد أن تركوا بلادهم البعيدة.

يتذكر في هذه اللحظة جيدا ـ ما دأب أبوه على ترديده عن أجداده القريبين.. نزحوا على عجل من قريتهم كفر البحايرة التي تقع في زمام محافظة بعيدة، لعلها على الأرجح

الدقهلية، كان أبوه حريصا ألا يتحدث أحد بسوء عن أجداده، يقطع دائما بلهجة حادة ووجه صارم أنهم هاجروا هربا من حاكم ظالم وبحثا عن الرزق في مناطق غير مأهولة، مؤكدا على كلامه بأنهم عمروا البلاد التي حطوا بها، لكن الحقيقة أقوى من نار الفرن، فاحت رائحتهم بعد أن وطأوا أرضا جرداء، ليس فيها من سبل العيش سوى الهيش الذي يتطاول وسط ملوحة البراري. ويؤمّن أبوه على كلامه بأنهم لو كانوا حرامية فاسدين لما استطاعوا أن يستصلحوا أرضا عمياء، ويجمعوا طينا ويكونوا أسرة وعزوة كبيرة.

يعرف أن أباه رجل صادق، هو أول واحد في المنطقة قرب من عالمية الأزهر الشريف، بل كان المتعلم الوحيد في أرجاء البرية، وأنهم الفرع الطيب من العائلة العريقة في السرقة، لذا يحسس دائما على وجيعته.

وبما أن العرق يمد لسابع جد، فالعائلة لا تخلو في عز نظافتها من حرامية صغار مثل ابنه الدمرداش، ناهيك عن عمه الشابوري الذي خرج من السجن بعد أن قضى تأبيدة بمنافعها، هو الوحيد المتبقي من الرعيل الأول، أدى المهمة

على أصولها، وحين آن أوان الاعتزال استقال بشرف، أو أقالته الحكومة، لذا يجلس مرتاح البال على بسطة دكان عبد السلام أبو السيد في العصاري، .. يحكي والفخر ينط من عينيه أنهم في هجرتهم الأولى شربوا المر، هاموا على وجوههم، يسرقون ما يصادفهم من أغنام وأبقار وغيره، وإن لم يتيسر الأمر يلطشون الوز والبط السائر في الطريق، أو النائم على جرفة ترعة هنا أو هناك، ولم تكن الأصول تمنعهم بالطبع عن سرقة بعضهم بعضا، ..يسوقهم الذي يسوق السحاب، وعندما حطوا رحالهم،.. وجدوا عائلات أخرى تعادلهم في النسب والشهرة، قد سبقتهم إلى البراري.

كانت البراري بحق هي مخبأ الحرامية الأول، ومثواهم الذي تعجز يد الحكومة عن أن تطال أحدا فيه، ولم تستطع لسنوات عديدة أن تقبض على جثة قتيل يوحد الله،.. يتم دفنه هناك في الأعالي في تربة الغبايشة المالحة المتاخمة للبحيرة، ليذوب جسده فيها، ويتحلل قبل أن تشم الحكومة خبره بأعوام.



........
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سعيد شحاتة
مشرف مؤسس
مشرف مؤسس
avatar

ذكر عدد الرسائل : 665
العمر : 38
تاريخ التسجيل : 16/04/2007

مُساهمةموضوع: رد: ألعاب الهوى (رواية لوحيد الطويلة)   13/8/2007, 22:37

بجد وبدون مجاملة
حينما تقرأ وحيد الطويلة
يجب أن تعترف بأن الأدب مازال يتجه الى الطريق السليم
طريق الابداع للابداع
تحياتى
وأتمنى المزيد من هذه الافرازات العبقرية
تحياتى
سعيد شحاتة

_________________
أنا خيلك لما خيول الناس
تهرب م الناس
و أنا فكرة فى راسك
لما الفكر البكر يضيع من سكك الراس
وأنا أحلى بيتين للشعر
اتكتبوا على الكراس

http://saidshehata.blogspot.com/
سعــــــــــــــــــــيد
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://saidshehata.blogspot.com
حمدي علي الدين
المدير
المدير
avatar

ذكر عدد الرسائل : 1252
تاريخ التسجيل : 15/04/2007

مُساهمةموضوع: رد: ألعاب الهوى (رواية لوحيد الطويلة)   29/8/2007, 19:52

استقرت العائلات في البراري، وصار لها بيوت من الطين النيئ والبوص، وزرائب لمواشيها، وبدأت النعمة تدب في الأراضي المستصلحة واقتضت الحال أن يكون لكل عائلة كبير يقوم على شئونها ويحميها، يشرف على إعالة بطونها، والرأي رأيه، والمشورة مشورته في مسائل الزواج، وتمثيل العائلة في مجالس المصالحات، والصرف على كل كبيرة وصغيرة من إبرة وابور الجاز حتى كسوة السنة.. العائلة تزرع، والكبير يحصد، يقوم على تصريف الناتج في أسواق مدينة دسوق، أقرب المدن إليهم، يقبض الإيراد، يدبر شئونه إلى مطلع الإيراد القادم.ولأن طبع البني آدم لا يخرج إلا بعد طلوع الروح، عادت ريما مرة أخرى لعادتها، أخذت السرقة تفعل فعلها بين العائلات، شاعت سرقة المواشي في انصاص الليالي، وسرقة خزين السنة من أرز وقمح وذرة، واقتضى الأمر أن يكون لكل عائلة حرامي معتمد يدافع عنها ضد حرامية العائلات الأخرى.. تجاوزت سلطته وصورته صورة كبير العائلة في

كثير من الأحيان، الأمر كله لا يتجاوز قلباً ميتاً وبندقية، أو فرداً بروحين أو مقروطة بعين واحدة مع شنب محترم يرتفع كالصقر من الجانبين، وملفحة تغطي نصف الوجه، وتبين النصف الآخر، والويل كل الويل للعائلة التي لا تتشرف بوجود حرامي فيها، تصبح مطمعاً ومرتعا وأرضا طرية للجميع.

واقتضى الميثاق المقدس ـ غير المكتوب بالطبع ـ ألا يتعدى أحدهم على خوازن ومواشي عائلة أخرى لها حراميها الرسمي، ومن يخرق الميثاق عليه أن يتلقى وعده، ويحفر بنفسه حفرته الأخيرة في رمل الغبايشه المالح.وبما أن المقادير أتمت نعمتها عليهم، فقد تشرفت عائلة الشيخ بوجود عمه الشابوري، حرامي اصيل لا يشق له غبار، ولا تخطئ له طلقة، لذا امتنعت مواشيهم وخوازنهم على الجميع، وكان من حسن الطالع أن تمتعت العائلة دون غيرها بوجود حرامي آخر، الفرماوي بن عمه الحاج قرد، طلعة أسد، وشنب مهيب، يزر على عينه الشمال، ولد بها، وحتى لا يعايره أحد، أخذ يجهم وجهه يوما بعد آخر ويعبس

في وجه الجميع، قتل الديب وشوى كبدته، أكلها جهارا نهارا على قارعة كوبري المصرف، وأخذته الموجة في سلك الحرامية ليعوض عورته وليخشاه الجميع، إلى أن وقع المحظور.. خرج الشابوري صحبة الفرماوي في مهمة خارجية، بدت كأنها مساندة لأقرانهما في برية أخرى، وفي الصباح اكتشفوا أن الزريبة قد نقبت، والمواشي أصبحت في خبر كان.



قال الشابوري :

ـ أنا عارفه مفيش غيره، شحلط حرامي الحمير، لا عيل ولا تيل، اقروا الفاتحة على روحه الندل الضايل ابن الضايلة.

الشابوري يعرف أن شحلط يكرهه، يشوف العمى ولا يشوفه، يقول عنه إنه حرامي نتن.. حرامي حمير، يسرقها، ويبيعها في السوق البعيدة، وآخره وزة أو بطة.. يتندر عليه في مجالس الحرامية، يكش فيه، ويكشر في وجهه ليمتنع عن قعدتهم في دكان عبد السلام أبو السيد بعد نص الليل.

ـ وابن الهرمة عاوز يوريني انه دكر !!

لم يكذب خبراً، طلع مع الفرماوي إلى زريبة عائلة شحلط، نقبوا حائطها، والدنيا نائمة، أخذوا المواشي كلها وأبو قلب ميت خبط على باب وردة زوجة شحلط وقال لها:

ـ بلغي الندل بتاعك أن الشابوري خد البهايم، وان شفت وشه بعد كده حانتف له شنبه.

الطريق طويل والجو بارد، عز الشتاء، كان يمشي أمام البهائم دون أن تطرف له عين، والفرماوي خلفها لا يهتز له رمش، الأرض موحلة، والسماء تسح من قلبها وتقول خد يا بو خد وردي، آذان الفجر وصل مسامعهما، انتحيا، توغلا داخل الغيطان، ربطا البهائم إلى أقرب شجرة، وتوضأ من ماء المصرف المرصرص، لم يجدا عود قش ناشفا يوحد الله، فرد الشابوري ملفحته عند مدخل عشة وحيدة، أخذ الفرماوي يكبر، وعمه الشابوري يتقدمه، يبسمل ويستغفر، صليا السنة، وشرعا في إقامة الصلاة، لحق بهما شحلط على مشارف القرية، أخرج الشابوري المقروطة، طخه عيارين، وهج في الغيطان سنتين، والفرماوي وقع في يد الحكومة، وبعد أن وضعت النسوان خمسة أبطن أنهى العقوبة الخفيفة وخرج،

يعود إلى السبتية كل سبت مع راغب والمكاوي الصغير وبقية الحرامية، يقفون في صفين متواجهين، كل منهم يصفع الآخر على وجهه وبالتبادل، ينزحون خرارة مركز الشرطة، يذهبون بشنب كامل، ويعودون بنصفه، يحلقون لهم النصف الشمال أسبوعا، والنصف اليمين في الأسبوع الذي يليه، والويل لمن يتصرف في شنبه بعيدا عن الحكومة .. الشيخ حامد يفطس على نفسه من الضحك ويقول بصعوبة: الفرماوي الفتك ده ومعه بقية الحرامية كانوا يخرجون من السبتية إلى الشارع وهم يصيحون في نفس واحد.. أنا مره.. أنا مره، في طابور طويل يلف السوق.



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
حمدي علي الدين
المدير
المدير
avatar

ذكر عدد الرسائل : 1252
تاريخ التسجيل : 15/04/2007

مُساهمةموضوع: رد: ألعاب الهوى (رواية لوحيد الطويلة)   29/8/2007, 19:54

غمزت له الفنجرية ليرسل لها الفلوس مع أحد الأولاد لأنها ستسافر بعد قليل إلى الجناين البعيدة تشتري خضار الأسبوع.. قال له بائع السمك إنه سيمر عليه في داره بعد العشاء كعادته ليأخذ ثمنه.في الطريق إلى الدار، أخذ يلعن أبا خاش اليوم الذي ذهب فيه إلى الغبايشه في آخر الدنيا ليخطب هناك، تنهشه الحيرة، تأكل قلبه، وتكاد تطفح على جلده البلاء، من الذي جرؤ على نشل المحفظة والبطاقة العائلية ؟، هل يكون راغب؟!.. أغلب الظن، نتن ويعملها.. دماغه تلف، يراجع نفسه، راغب في النهاية حرامي عاقل، يعرف تمام المعرفة أن الدمرداش ابن الشيخ يمكن أن يفرتكه، ولا يغيب عن باله أبدا ما حصل لأبيه شحلط الذي طخه المعلم الشابوري من

قبل، قد يكون واحدا من الذين احتضنوه بالغصب، وعبطوا فيه عند وصوله للصلاة في الغبايشه.. ما يحزنه ويكوي قلبه أنه كان قد نوى أن يمر على هنية بنت سيدنا ليعطيها المعلوم الشهري، لتبر نفسها هي وأختيها كوكب وصفية، وجد باب الدار مغلقا في الصباح، قال في العودة أمر عليهم، لا يعطيهم من باب العطف عليهم، يشعر تجاههم بدين معلق في رقبته.

هنية من الذين لطّمتهم الدنيا، شربت المر على حياة عينها، ظلت تخدم في البيوت لتصرف على أختيها العانستين، مات أبوهم، سيدنا الذي علمه، وترك لها البنات دون أخ أو معاش، وعندما ضحكت لها الدنيا وزهزهت خطبها فوزي الحمراوي، قالت تتزوجه، يستر عليها وعلى البنتين، ويعيش معها في دارهم، لكن الدنيا ضحكت عليها وغيمت، خطفته حرب الاستنزاف، كان الشيخ قد تمنى على فوزي أن يعقد قرانه عليها قبل أن يذهب للجبهة، كأنه كان يقرأ الغيب، وقلبه يشم رائحة الموت.يسرح بذاكرته وابتسامة خفيفة تتخايل على وجهه، يعد على أصابعه الأشهر المتبقية له قبل خروجه على المعاش،

سبعة أشهر، لا، ستة أشهر، قرر أن ينفذ ما نواه من زمن، يكتب كتابه على هنية أو صفية، زوجته نميرة مريضة، بينها وبين الآخرة فركة كعب، وعزرائيل ممكن يفتكرها في أي لحظة، وسناء ستتزوج قريبا، وهو على كف الرحمن، نعم، يعقد قرانه على إحداهما، أقل واحدة عندها خمسة وخمسين سنة، من سنه تقريبا، أصغر منه بخمس سنين يا دوب، والتي يقع عليها البخت تستطيع أن تقبض المعاش بعد موته هو ونميره.. الشر بره وبعيد.. والله فكرة معتبرة يا واد يا حامد.

كان عليه أن يخبر نميرة بما قرره، صحيح أنها بهيمة ومثل كل الستات يمكن تحرن، وفي هذا الموضوع بالذات، لكن متى كانت لنميرة أو غيرها كلمة عنده، المصيبة لو عرف أخوه النادي، الموضوع لن يعدي على خير، وهو يخاف منه أكثر من عزرائيل.

قال : إلى أن يعرف النادي أو يحين الأجل، ساعتها يحلها الحلال، اتسعت ابتسامته، راقته الفكرة، وشعشعت في نافوخه، وعلا صوت ضحكته.قال يونس الحمراوي شقيق المرحوم:

ـ حمد الله على السلامة يا با الشيخ.

نطقها في دقيقة تقريبا، ودعاه ليأخذ الشاي في دقيقة أخرى، لم يرم له الشيخ أذنه، دماغه مقلوبة، نصفها في الراتب الذي اختفى، ونصفها يفكر في طعام الغداء.

يونس حاصل على دبلوم زخرفة، لكنه من يومه يعشق الكهرباء، ويحشر مناخيره دائما فيها، ذات يوم هم بوضع الإبريز في الفيشة، أمسكته صاحبته، ثم نطرته بعيدا، انكتب له عمر، أخذ يولول، ومن يومها وهو يثأثأ في الكلام.

يقول الأولاد الملاعين في القرية، أن بشرة يونس المضروبة باللونين الأبيض والأحمر بسبب الكهرباء التي مسكته ونقشته، وأنه يضئ في الظلمة كالعفاريت، وعزرائيل ذات نفسه يخاف يهوِّب ناحيته.

وضع الشيخ قدمه على عتبة الدكان، لم يتجاوزها، أخذ عن بعد يتفحص ما بداخله، يونس منذ اعتزال الكهرباء يعمل في تنفيذ براويز الصور، كل من يريد أن يأخذ صورة في البندر يقوده يونس، يسافر على حسابهم ويحصل على عمولة من المصور، يشتري خشب البراويز اللامع لكبار الفلاحين،

يقوم بتقطيعها في دكانه، ويصنع لصغارهم براويز من أية قطعة خشب يصادفها، أخذته الحرفة، واتسعت معه الصنعة، يحضر الصور من البندر ويكمل بروازها في القرية.

ومرة بعد أخرى يهرب من الأولاد الذين يتحرشون به، ويتندرون على لونه، يتربس على نفسه الأبواب بسبع خوخات، يرسم الذين يكرههم بالفحم، يزيد في سوادهم ويمحي شوارب من كانت لهم شوارب، والذين يحبهم يرسمهم ثم يلصق على ملامحهم عيدان القمح اللامعة، بل يصنع لهم أحيانا عمامات بيضاء.

تمعن الشيخ في الصور، فتح حنكه عن آخره، كلهم بلباس واحد.. بالبدلة والكرافتة، فقع ضحكة عالية.. من أين لهؤلاء بالبدلة ؟!، الصورة الوحيدة بدونها كانت لأبيه المرحوم أبو عبده.

قال يونس: عندما يطلع إيراد الأرض وتجري الفلوس في أيدي الفلاحين، يذهبون إلى البندر، كل واحد يخلع جلبابه عند المصور، ويلبس الطقم الجديد بدون بنطلون بالطبع، وتلتقط له الصورة.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
حمدي علي الدين
المدير
المدير
avatar

ذكر عدد الرسائل : 1252
تاريخ التسجيل : 15/04/2007

مُساهمةموضوع: رد: ألعاب الهوى (رواية لوحيد الطويلة)   29/8/2007, 19:56

أعاد الشيخ النظر للصور مرة أخرى، كلهم بالبدلة نفسها، وكلهم ميتون.

طفرت من فمه شبح ابتسامة ساخرة .

.. واد يا يونس.. اسمك على اسم الأنبياء ياله، ما تتجوز هنية أو صفية ينوبك ثواب، واهو زيتكم في دقيقكم.

ـ ابعد عني يا با الشيخ، دا الواحده فيهم قد أمي، ماتتجوزها انت.

نطقها في دقيقتين تقريبا، استدار الشيخ في منتصف الجملة، آخذا طريقه إلى داره.

ـ عاوز أعمل لك صورة يا با الشيخ.

.. تاني .. بعيد عن شنبك، لسه قدامي عشر سنين.

في الدار، قفزت إلى حضنه حفيدته بنت الدمرداش.

ـ جبت اللي قلت لك عليه يا شيخ ؟.يفطس على نفسه من الضحك، وتغرغر عيناه كلما نادته يا شيخ، أو يا شيخ حامد، تذكر أنها طلبت منه في الصباح أن يحضر لها شعرا أسود بدل شعرها الأحمر القاني، حتى لا

يتندر عليها الأطفال، وينادونها : يا حمرا.. يا حمرا .. قال لها وهو يربت عليها : السوق مقفولة.

انسلت من حضنه باكية مسرعة، وهو يعدو وراءها.



يدور حول نفسه في الصالة الكبيرة التي يمرح فيها الخيل.. يخرج من غرفة ويدخل أخرى، بوجه متوتر، يفتش بعصبية عن أشياء لا يعرفها، يلعب الفار في عبه خشية أن يكون الدمرداش عبث بحاجاته كعادته، بسرعة تأكد أن دولابه كما هو، سرقة المحفظة هيجت خوفه، والفار بداخله يتقافز بشدة، قالت نميرة :

ـ فداك يا خويا، استعوض ربنا.

.. استعوض ربنا يا نميرة، مرتب الشهر كله، أنا حاسس أن السكته القلبية واقفه لي على الباب.

ـ بعد الشر عليك.

.. الشر !!.

فكر أن يصعد بسرعة إلى سطح الدار يعد الأرانب التركي التي أخذ أجداد أجدادها من إسماعيل، أو يدخل الخوازن يعد الإوز والبط.. هو يعرف الدمرداش أكثر من أمه وأبيه، عاجنه وخابزه أكثر من ألف مرة، صحيح أنه يحبه لأنه ابنه البكري، ولأنه خفيف الدم، لكنه يعرف أيضا أنه حرامي مقطوع اليد.

لمح حفيدته تخرج من غرفته، دموعها لم تنشف بعد، أخذ يعدو خلفها، هربت منه إلى غرفة السلالم.. توارى قليلا خلف الباب، يداعبها ويسلي نفسه، محاولا أن ينسى المحفظة، وعندما اندفع فجأة ليمسك بها، تعثرت قدمه بعقب الباب، وهوت رأسه على حلة نحاس كبيرة مخبأة أسفل السلم.

.. يا خبر أسود، دكر وز طايب وبايت، مش خايفين عليه من القطط يا ولاد الكلب.

القطط هي الشيء الوحيد الذي بقي لأمه من ذكرى أبيه، قط وقطة، تكاثرا حتى صارت القطط في كل مكان، أحيانا يزيد عددهم على الحد، لكن لا بأس، الأمر لا يخلو من فائدة، تأكل الفئران والثعابين التي تهبط من القش المخزَّن على

السطوح، ثم أن ابنه الصغير يبر نفسه أحيانا ببيع صغار القطط إلى الأولاد على كوبري المصرف.

قالت نميرة :

ـ دكر أمك يا حامد، جاي من عند النادي، سايقه عليك النبي أوعى تقرب له، تبقى فضيحة.

النادي الذي ترك الدار من زمان، بعد أن فتحها عليه الفتاح، وأعطاه ربنا من وسع، يعرف طبع أخيه منذ الصغر، لذا يحرص من آن لآخر أن يود أمه، يرسل لها حوائجها، كسوة الصيف والشتاء وصندوق معسل كل شهر، وفي شهر رمضان يأخذها عنده، تقضيه كاملا معه، وتعود صباحية يوم العيد لترى أولاد حامد وأحفادها الآخرين.

بعد وفاة المرحوم أبو عبده، أخذ الشيخ حامد مكانه، صار كبير الدار، عزَلوا من عمهم الحاج حامد والذي سمي الشيخ على اسمه، انتزعوا ما استطاعوا من أرضهم، وتولى الشيخ مع اخوته شئونها وفلاحتها.

كان في السنة الثالثة قبل الليسانس، يرسب تقريبا كل عام، يفوت ثلاث سنوات وينجح واحدة، تساند مع أخوته

لزرع أرضهم وحدهم للمرة الأولى، يلعن عمه الحاج قرد كما يسميه، مرة علنا، وستين مرة في سره، لأنه ضحك عليهم في الميراث، ولهف أرض عماته، وترك لهم بالعافية ما يعادل ثلثي ميراثهم، ونهب الباقي بحجة مديونية الأرض كما ادعى، ولأن معلومات الشيخ في الفلاحة كانت على الحميد المجيد، لا زرع من قبل ولا قلع، لذا زرع الأرض كما تقول الحكومة وكتب الإرشاد الزراعي، الذي كان في أول أيامه، زرعها كلها قطنا على غير ما تعودت ، ورشها بالمبيدات في أول سابقة بالقرية، ولم يستعمل أنفارا لتنقية الأرض من دودة القطن، لذا جاءت النتيجة على غير ما اشتهى، عشرون فدانا، وقفتان فقط من القطن.

يصحو من النجمة، يسرح الغيط بجلبابه المقطوع، وبُلْغته البائسة، شغلته الوحيدة أن يدق على الصفيحة ليطيّر العصافير، لا يهدأ في مكان، يقطع الأرض حافي القدمين. مشغول على الفاضي، وان بدا من حركته وعلو صوته أنه أبو زيد زمانه، وعند عودته بعد المغرب، يجلس وأخوته النادي ومحيي الدين وإبراهيم حول طبلية العشاء، دكر وز أو

دكر بط يوم الخميس ـ البهائم لا تسرح يوم الجمعة ـ يكتفي الأخوة الثلاثة بأرغفة العيش، وبعض منالأرز، وصينية البطاطس أو البصارة أو الباميا الويكا التي يحبونها، تذكرهم دائما بأبيهم، ينال الشبع منهم قبل أن يفكر الشيخ في تقسيم الزَفّر عليهم.

في المرات الأولى كانوا ينتظرون، والدكر نائم في الحلة أسفل الطبلية، والشيخ لا يأتيه الوحي إلا بعد أن ينهضوا، تعودوا بعد ذلك على الأمر، وعروسة تداري صوتها وتقول : هو عبد العاطي دايما يجيلك متأخر يا حامد، اخص عليك يا بن بطني.. وعندما يتأهبون لغسل أيديهم يسمعون شهقته، وهو يرفع سلطانية الشوربة إلى فمه بكلتا يديه، وصوته يجيب آخر الحارة، لا يمزمز ولا يرشف، يغب بصوت عال، صوابعه اصفرت من شرب سجائر اللف، وحواف شاربه اصفرت من كثرة إدام الشوربة، وعندما يستقرون في حوش الدار أو على السطوح، يبدأ طقوس الخميس في فرتكة الدكر وتمزيقه، يهربده، ويأكله والقونصة والكبدة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
حمدي علي الدين
المدير
المدير
avatar

ذكر عدد الرسائل : 1252
تاريخ التسجيل : 15/04/2007

مُساهمةموضوع: رد: ألعاب الهوى (رواية لوحيد الطويلة)   29/8/2007, 19:57

اكتشف ذات يوم أن رأس الدكر غير موجودة، وأن نميرة أعطتها لأمه من وراء ظهره، هاج وكاد يرمي عليها يمين الطلاق.

ـ الراس دي كوم اربعة يا نميرة.

الدكر دكر أبونا، والغرب يطردونا، قالت أمه وهي تنتش الحلة منه، وأردفت.. هم المشايخ كلهم كده، همهم على بطنهم.. لم تكن المعضلة الكبرى أن الشيخ يأكل زَفر الدار وحده ويحرم الآخرين، يبدو مغتاظا إذ رأى أحدا يأكل في الشارع.. الناس في القرية يأكلون وأبوابهم مفتوحة، والشيخ خائف أن يأتي الآخرون على طعام البرية ولا يخلو الأمر لديه من الجد، إذ كان يترك ـ دون طيب خاطر بالطبع ـ الحوايج لاخوته البنات قبل زواجهم، ولنميرة وعروسة والأولاد.لم يفلت الحلة إلا بعد ان أخذ النصف العلوي من الدكر، تناهى إلى سمعه صوت إسماعيل يبلضم مع آخر كأنه رفيقه الشيخ زاهي، ضريران سقطا من كشوف النعمة، إسماعيل يسحب زاهي دائما لأنه ابن القرية ويحفظ أزقتها عن ظهر

قلب، زاهي من قرية أبو غانم القريبة، كل يرشد الآخر في حتته، يتبادلان القيادة، ويسقطان على العزومات معا، يكفي أن ينتدب أحدهما ليحضر الآخر، لكن إسماعيل يتفوق على صاحبه، يقع واقفا، يدبر العزومات ويستطيع أن يشم رائحة أي دكر بط من على بعد كيلو.

أوعز الشيخ لحفيدته أن تقول لهما أنه غير موجود، ولم يعد حتى الآن من الغبايشة.

ـ جدي بيقول لكم أنه لسه ما جاشي.

بصوت خفيض.. طول عمره طفس، احنا عايزين ستك عروسه.

ـ ستي بتعيط علشان جدي اخد نص الدكر بتاعها.

حول الطبلية جلس الضريران جنب عروسه، إسماعيل قريبها الذي يصعب على الكافر، ابن عمة خال زوجها الأولاني، الذي مات وهي حبلى، وبعد أن وضعت بأشهر قليلة تزوجت أبو عبده والد الشيخ حامد، لم تخلع ثياب الفرح، ولا لبست هدوم الحزن، الناس ينادونها، العروسة راحت، العروسة جت .

بدأوا يأكلون غصبا عن نن عين الشيخ وهو يتمتم :

.. بالسم الهاري يا شيخ سماعين.

ـ بتقول حاجه يا شيخ حامد، أمال فين الزَفر اللي لطشته من عروسه، باين عليه دخل الشونة .

.. احمد ربنا يا سماعين، أبوك مات من الحامض وأكل القوالح.

ـ يا سيدي.. هو كان لقى الحامض ومات .

كان إسماعيل قد تحسس الطبلية قبل الأكل ولقط سمكة كبيرة، وضعها أمامه، سرعان ما اختفت، ولم يجد إلا البساريا الصغيرة.

ـ أمال فين أمهم يا شيخ حامد.

بعد الشاي، قال زاهي :

ـ أنت عارف وفا زيت حار بن عمك عمل إيه النهارده يا شيخ ؟!

اعتاد الشيخ عند خروجه في بعثة يوم الجمعة لقرية مجاورة، أن يترك للشيخ علي عبد اللطيف زمام الأمور، يوكله في خطبة الجمعة، هو المفتح الوحيد بين العميان زاهي

وإسماعيل مؤذني الجامع، ومعهم مصطفى نشوان الفراش الذي يؤذن أحيانا في غيابهم، يكره الشيخ سيرته لانه فراش ملاوع لا دين له ولا ملة، ولانه كما يقولون عنه، له في الحشيش.

يعلو مقام الشيخ علي عبد اللطيف على الآخرين لأنه يحفظ القرآن، وعنده كُتَّاب، ويقرأ في بعض الكتب القديمة، صحيح أنه أحيانا له حاجات نص كم، مثل عمل الاحجبة وادعاء فتح المندل، لكنه على كل حال أفضل الموجودين، اثنان عميان وواحد بتاع أنفاس.. أوحى إليه الشيخ أن يخطب الجمعة مطرحه، لكن الظروف كانت أقوى منه، ستتزوج ابنته في قرية مجاورة، حضر العريس وبعض أفراد عائلته صباحا يرجونه أن يخطب عندهم، ليتشرفوا به أمام أهل القرية.

.. وخلا الجو لوفا زيت حار.

ـ فرصته جت له يا شيخ حامد لحد رجليه، طلع على المنبر من غير عمه، تصور، لابس طاقية زي بتاعة نهرو.

.. وأنت شفتها إزاي يا شيخ زاهي.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
حمدي علي الدين
المدير
المدير
avatar

ذكر عدد الرسائل : 1252
تاريخ التسجيل : 15/04/2007

مُساهمةموضوع: رد: ألعاب الهوى (رواية لوحيد الطويلة)   29/8/2007, 19:59

وفا زيت حار بن عمه الحاج قرد، زميله في الدار والمعهد الأزهري يوما بيوم، الزوادة واحدة، والطبلية واحدة، فشل وترك الدراسة، وعاد للقرية يجر خيبته، لا شهادة ولا غيره، قفته فارغة إلا من زجاجة زيت حار سرقها من المطعم المجاور للمعهد الأزهري، الزيت الذي كان يأبى أن يذوق الفول بدونه، وطالته رائحته واسمه، ظل يضمر الحقد للشيخ الذي ركب القطار وتركه يسقط من العربة الأخيرة، لذا يشيل منه في نفسه، يتندر على أقواله وفتاويه دائما، وحبال الأسى كانت طويلة، وزادت وفاضت بموضوع الميراث، وعند قسمة الأرض التي لهف الحاج قرد أكثر من ثلثها وحده بمساعدة وفا.

ـ شق الصفوف يا شيخ حامد، وطلع على المنبر من غير حد ما يدعيه، وكان معاه كتاب قديم أظنه الخطب المنبرية، وبعد أن حمد الله وأثنى عليه، اتكلم عن فضائل الصوم، مع إن إحنا مش في شهر رمضان.

إسماعيل أخذ طرف الحديث من زاهي وهو يكح ويقهقه:

ـ ولما وصل لنهاية الخطبة رفع أيده، وقال يا دعاء :

.. اللهم عافنا واعف عنا

.. اللهم ارزقنا واكرم مثوانا

.. اللهم انصر السلطان قطز وعساكره، وامحق بسيفه رقاب الطبقة الكافرة الباغية ، يا مالك الدين والدنيا ، يا رب العالمين ، وأقم الصلاة يا شيخ زاهي .

انقلبت صينية الشاي، بعد أن انقلب الجامع من الضحك .

ـ ألا الصلاه دي تجوز يا شيخ حامد، ولا نعيدوها ؟!.

في الطريق الواسع المؤدي إلى الجامع، يسير شاردا يحفه زاهي من ناحية، وإسماعيل من الأخرى، طريق واسع عريض.. البركة في الشيخ نادي، لولا وقفته في وجه الناس لضاق الطريق وأغلقت الأزقة والحارات، كل واحد يبني دارا يقتطع لنفسه مترا من هنا، وآخر يقابله، ماذا جرى للخلق، الصدور ضاقت والبطون عكرَّت، كل واحد يحاول أن ينهب مال غيره، ومال الحكومة بالمرة، لكن الحكومة تستاهل ما يجري لها، تضحك على الفلاحين الغلابة وتستقوي عليهم، تشتري القطن والأرز بتراب الفلوس، في الأول تعطيهم سلفة، تجر رجلهم، ثم تدوخهم السبع دوخات حتى تنعم عليهم ببقية حقهم، والذي غطى وفاض أنها رفعت أسعار المبيدات والكيماوي وتفرضهم فرضا على بطاقات الفلاحين رغما

عنهم، تسرقهم بعين، وتتفرج عليهم بالعين الأخرى، والذي لا تسرقه يسرقه راغب وشركاؤه.

ثم أن هذا كوم، وموضوع شح المياه كوم آخر، الترعة ناشفة طول السنة، بالكاد تروي الأرض والناس نشف ريقها، وإيراد الفدان لا يسمن ولا يغني والناس على وشك أن يقطعوا بعضهم.. قرية كلها مسلمين، حالها بالبلى، السرقة طالعه نازله منشار، والحكومة تغمض عين وتقلع بالأخرى، نعم، لولا أخوه الذي يقف بعقله ونبوته في وجه الجميع لصارت أزقة القرية ممرات خانقة.

يقول إن أخاه من النوع الذي يولد وعلى وجهه مهابة، يخشاه الجميع، ورغم ذلك يحبه معظم أهل القرية، هو الذي ينفق من حر ماله، يجري على السكك، يغيب غيبته ويعود أنصاف الليالي، لتنعم القرية بالماء والمدرسة، وهو الذي عمل لهم الجمعية الزراعية، ويكرهه آخرون، بعضهم من باب الغيرة وبعضهم من بوابة الحقد، يده تطال الغايبة والتايهة، هو الذي يستطيع أن يسعى عند الحكومة، يعرف المحافظ، وضباط النقطة، ومفتش التموين في البندر،

وصراف مصلحة الأملاك.. يكرهونه لأنهم يكرهون هدومهم، وأنت أيضا ينوبك من الحب جانب يا حامد.

هو نفسه يخشاه رغم أنه الكبير، ويقطع جازما أنه لولا خوف الناس من النادي لنحلوا وبره، وقطعوا فروته في الرايحة والجاية، لكن لا بأس، كل ذلك بسبب لسانك المبرد وفتاواك الجريئة التي تطلقها كل حين يا حامد.

انتبه على نفسه، لا أحد حوله، وزاهي وإسماعيل عقبا في الطريق، وجد الفنجرية على عتبة دكانها، كما هي، مزروعة في مكانها منذ عشرين عاما، طرحتها الشبيكة على رأسها حتى ظهرها، والكحل يلمع في عينها، عايقه من يومها، لا يدري متى جاءت إلى القرية، ولا لماذا، حطت في غفلة من الزمن، كأن الأرض طرحتها، لا أحد يسأل عن أصلها وفصلها، كأنها سرقت لسان الناس ورمته في بير، تحيط نفسها بأشباهها الهاربين من بلادهم، من التار ومن الموت.

ـ عامل إيه يا شيخ حامد ؟.

.. غول، غول يا فنجرية، المهم أنت.

ـ زي الجن أهوه.

.. قومي روحي يا فنجرية لأحسن يشوفك وأنت حلوه كده.

ـ بعد الشر يا شيخ حامد، أنت فاكر عزرائيل ما عندوش نظر وألا إيه، لسه بدري عليا يا خويا.

.. المشكلة يا فنجرية أن عنده نظر.

تضحك وتطمر نصف وجهها في طرحتها، بطرف عينه لمح إسماعيل يكلم إحدى النساء، وهو يلوي عنقه يمينا ويسارا لأعلى.. إسماعيل لا يتأخر عن إبداء النصائح للنساء في مسائل الزواج والانجاب والذي منه، يبرطم دائما بألفاظ من عينة.. زيت الخردل.. فلفل أحمر مصحون.. صدر ديك رومي لزوجك يوم الخميس.. ورك معتبر لعمك الشيخ إسماعيل، يودع كل واحدة - وواحد أيضا - بوضع مؤخرة عصاه على صدرها أو فخذها، أو ما تطال يده، وهن يفقعن ضحكات مرقوعة، سرعان ما يخبئنها في طرحهن، ويغادرنه باسمات.. جاتك إيه يا شيخ سماعين.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
حمدي علي الدين
المدير
المدير
avatar

ذكر عدد الرسائل : 1252
تاريخ التسجيل : 15/04/2007

مُساهمةموضوع: رد: ألعاب الهوى (رواية لوحيد الطويلة)   29/8/2007, 20:01

عصاه طويلة لا تتناسب مع قصر قامته، ينتهي طرفها بشفاطة ثدي جلد لينة، أعطاها له مصطفى نشوان فراش الجامع، صاحب المزاج العالي.. وزاهي يزغده في جنبه ليلحقا بالشيخ ويقول كل قصير مكير.. كل ذي عاهة جبار..

انتبها على جاعورة الشيخ وهي تلالي، تناديهما، قال إسماعيل.. ربنا نجاك النهارده ياشيخ حامد، الحمد لله أنك صليت بره البلد.

لم يعره الشيخ أذنه، يعرف أن إسماعيل يهول الأمور دائما، لذا يسيب له فارغة، ويعذره لأن أخواله العمد أكلوا ميراث أمه بالتبات والنبات، ولم يتركوا له خردلة فالصو، وأفتى كبيرهم ـ الله يجحمه ـ بأن لا ميراث له، وقال متبجحا: الأعمى ما يخدش.ولأن الغلبان لا يشبع غلبا، والدنيا لا تعطي محتاجا، طفشت زوجته التي كانت حائطه ومخدته، لذا يشيل همه على قلبه، يوزعه، على الشيخ حامد حينا ، وعلى عروسه حيناً، ويرمي الحمل الثقيل على زاهي، يتقاسمانه معا، يسوحان في الأزقة والقرى المجاورة، يصنعان معا جوقة في الطهور

وليالي المشايخ، يقرآن ما تيسر، ويهيلان التراب على سواد البخت، وأحيانا يضحكان معا كأنهما ملكا الدنيا والآخرة.

لكن إسماعيل ليس من النوع الذي يفوت تاره، لذا يسوق الأولياء والبخاري والترمذي على الشيخ حامد لينتهز فرصة عند النادي المشغول دائما، يزن على دماغه شفاعة لله، هو الوحيد الذي يقدر على أخواله ويستطيع أن ينتزع له ميراثه من تحت باطهم.

ـ ربنا نجاك يا شيخ حامد وحاش عنك، أبو شبارة صلى النهارده في الجامع، أول مرة في حياته يغلط ويعملها.

.. وأنا مالي.. يعني الركعة بقت بعشرة يا سماعين!!

ـ كان بيسأل عليك، وعايز يمسك في خناقك، فاكر أن الدمرداش ابنك سرق البط بتاعه، وما تستبعدش كمان انه كان ممكن يعارضك وأنت على المنبر، ما تزعلش مني يا با الشيخ.. قول له في وشه ولا تغشه.ركبه عرق الموت، جاءه اليوم الذي يخشاه، ويعمل له ألف حساب، يود أن يعيش حتى يشوف يوما في الحرامية والحاقدين عليه وعلى أخيه الشيخ نادي، لكن المصيبة لبدت

له في الذرة، وعلقته من عرقوبه. كيف يقول للناس لا تسرقوا، والدمرداش كل يوم يحرق الأخضرين ويسوي الهوايل، لو كان فيه حيل لقعد عليه وبططه حتى آخر نفس فيه، يتمنى على الله أن يأخذه، أو يهديه، لقد رأى راغب بأم عينه، وهو يحمل زكيبة البط، ورآه وهو في عز الفضيحة أمام جامع الغبايشة. كيف يدرأ عن ابنه دون أن يفشي سر راغب.

........


هل هلال أبو شبارة، أول مرة يحضر صلاة الجمعة من سنين، رجل تخين فعلا، بمؤخرة منتفخة كأنما جمع مؤخرات العائلة في مؤخرته، لا ينفع معها كرسي ولا دكة خشبية ولا يحزنون، والأخيرة اشتكت حتى كلت، سقطت به، تهشمت وهشمته، كُسرت ساقه ولم تنفع معها الجبيرة، أخذ يعرج عليها من وقتها، اضطروا أمام عظم الأمر أن يبنوا له

مصطبة كبيرة بالطوب أمام دكانه، عريضة تليق بمؤخرته، مريحة تماما له، ولا تتسع للآخرين.

هو صاحب دكان التموين الوحيد في القرية.. يوزع الزيت والشاي والسكر بالبطاقات ـ والناس منهم لله ـ يقولون أنه يأخذ تموين من ليس معه بطاقة، ويضرب طناشا على الذين لا يستوفون حقهم قبل انتهاء الشهر، ثم يبيعها من تحت الطبلية، في السوق السوداء بضعف الثمن، وفي يوم وليلة أصبح من أغنياء القرية.

لكن بما أنه يوصل من هنا ويقطع من هناك، فالحرامية من جهة لا يتركونه في حاله، وأولاده ينغصون عليه لقمته من جهة أخرى، خصوصا عبود ونجاح التي ضاع لها دكر رومي، ونادوا عليه في ميكروفون الجامع، سماها نجاح يوم حصل على رخصة التموين من الحكومة، وهي كانت وفية لاسمها، لم تترك له نجاحا إلا وشاركته فيه.وقعت المصايب على رأسه، وما تجمعه النملة في شهر يأخذه الجمل في خفه، قبل سرقة البط بيومين، اكتشف اختفاء نصف إيراد الشهر، تكدر لكنه نام على الموضوع، وبحس

الغني البخيل شاهد عبود يضع حشوة قش أسفل رجليه قبل أن يحصيا معا إيراد اليوم، يعد النقود، يعطي أباه بريزة فضة، ويسقط أخرى في ثنيات الحشوة، ونجاح الملعونة، مقصوفة الرقبة، بتدبير مسبق قطعت تيار الكهرباء عن الدكان، وأبو شبارة الذي لطمته الدنيا فهم الملعوب، أمسك كالكهرباء بيدي عبود.

.. الله، الله.. فيه إيه يا با ؟!ـ فلوسي يا عبود يا بني.. فلوسي.

ومن يومها لا يسمح لعبود بالخروج من الدكان ولو لدخول الحمام دون أن يفتشه، حتى تكة لباسه، بعد أن طرده شهرا من الدار والدكان وأعاده أولاد الحرام، وبعد أن أقنع نفسه بأن يسرقه ابنه أفضل من أن يسرقه راغب والآخرون.

- الحمد لله، ربنا نجاك يا شيخ حامد.

.. جرى إيه يا سماعين، أنت حتمسك لي زلة والا إيه؟.

تدحرج أبو شبارة إلى الجامع مستندا على أبو دياب من ناحية، وأبو الفضل من ناحية أخرى، وعبود ابنه خلفهم، وصل قبل انتهاء الخطبة بقليل، وعندما وجد وفا زيت حار
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
حمدي علي الدين
المدير
المدير
avatar

ذكر عدد الرسائل : 1252
تاريخ التسجيل : 15/04/2007

مُساهمةموضوع: رد: ألعاب الهوى (رواية لوحيد الطويلة)   29/8/2007, 20:03

معتليا المنبر.. هم متراجعا، لكن أبو الفضل استحلفه برحمة من ماتوا له، وأبو دياب طبطب على كتفه العريض، دفعاه بصعوبة للداخل، تساند على عمود الجامع ليأخذ نفسه، كاد يسقط من طوله عندما سمع زيت حار يدعو للسلطان قطز، هو أول من كشف الملعوب، ضحكته جلجلت في قلب الجامع، وراح يترجرج حتى أوشك أن يهر على المصلين، والجامع كله ضحك خلفه.

بدأوا في إقامة الصلاة، أوسعوا له مطرحا لأربعة، ثلاثة لجسمه، وواحدا يتحرك فيه، ويأخذ نفسه على أقل من مهله، عملوا حسابهم أنه سيصلي واقفا، اصطف خلفه رفيقاه، أبو الفضل وأبو دياب الهاربان من ثأر في الصعيد، لم يقدرا أن يخرجا للصلاة في قرية أخرى، خشية أن يغضب عليهما أبو شبارة، يبيتان معا في غرفة أعلى سطوح داره، أو في الخبيئة التي تقع تحت منبر الجامع، أو في أية داهية تشيلهما بعيدا عن العيون، لا يعرف أحد كيف يعيشان، يساعدان الفنجرية بعض الوقت في دكانها، وأبو دياب يسافر معها إلى الجناين مرة ويغيب عنها مرات، ترضى عنه حينا، وتغضب عليه أحيانا، يقول النمامة ـ منهم لله ـ إن أبو دياب يعاشرها في السر، لكنه لا يستطيع أن يفتح فمه خشية ترحيله خارج القرية، أو يبلغ عنه أحد، وهو الذي يقول يا حيطة داريني، مثله مثل أبو الفضل، الذي يمر كل صباح على أبو شبارة، يرمي الصباح، يشعل القوالح والخشب، وعلى نارها يسوي له براد شاي، ويعمر له الشيشة، يعاود الكرة مرة أخرى في العصاري مقابل كوب شاي أو تلقيمة ناشفة يدخرها لحين حضور أبو دياب، كما أنه يشرب ما تبقى في كوب أبو شبارة.

كَبَّر أبو شبارة بصوت جهوري يليق بتخنه وفلوسه، قرأ الفاتحة خلف الأمام، وعندما هم بالوقوف بعد الركوع، انحشر جلبابه بين فلقتي فخذيه العظيمتين، وبان مشدودا عليهما، تردد أبو الفضل، ثم مد يده من الصف الخلفي وشد الجلباب للخارج، لكزه أبو دياب الذي يقف بجواره، فهم اللكزة على نحو خاطئ، أعاد الجلباب لمكانه مرة أخرى، حشرجت الصفوف الخلفية ثم انفرطت ضاحكة، وأبو شبارة خرج من الصلاة متوعدا يهز طوله وتخنه، يبحث عن عصاه ويحاول

الجري خلف أبودياب وأبو الفضل اللذين هرعا مع المصلين خارج الجامع.

.........
رفع مصطفى نشوان آذان المغرب، والشيخ حامد يلقي درس العصر، بالأمس شرح لهم ما ينقض الوضوء، كعادته يلقي الدرس ويعود في اليوم التالي يسأل المصلين.. يتبع طريقة السؤال والجواب والتلويح بيده، والعد على أصابعه، من لا يحفظ بذاكرته يحفظ بعينه. التفوا حوله، بينهم أبو الفضل وأبو دياب في خزي بعد عملتهما السوداء.. لا يجلسان وحدهما أبدا، يتقصدان أن يكونا وسط الناس، لا يهشان ولا ينشان، يستدران عطف الناس، ولا يجيبان على أسئلة أحد، يحاولان أن يقطعا بينهما وبين ماضيهما.. واتفقا ـ دون اتفاق ـ على ألا يبوحا بأسرار بعضهما، تكفيهما الغربة والخوف واللقمة القليلة، وما يفعله الحرامية بهما، والذي زاد وفاض ما حدث منهما أمس بحسن نية مع أبو شبارة، يظلان في قلق دائم خشية أن يفاجئهما العفريت، وحين يستبد بهما الخوف لا ينامان، رغم أن أحدا بالقطع لا يعرف لهما طريق جرة، لأنهما على آخر حدود الدنيا، بينهما وبين البحر فركة كعب، لكن الفزع من الغدر وغربة الموت، جعلهما دائما على شفا يقظة مُرة موجعة.

.. واحد يقول لي إيه اللي بينقض الوضوء ؟.

انسحب أبو دياب من لسانه، والضحكة على طرف منخاره.

ـ الواحد لو يعني...

.. الواحد لو ايه يا بني ؟!

ـ الواحد لو نسي يعني، ومد ايده في اللباس ومسك العدة.

انفلتت الضحكات كالرهوان، ثم دخلت الأشداق بنفس سرعتها، وحط الوجوم.. تجهم وجه الشيخ.

.. العدة، العدة يا كلب، الواحد لو نسي ومسك العدة !!، اطلع بره، اطلع بره.

بعد الصلاة، اقترب إسماعيل من الشيخ ووجهه ينفخ من الغيظ.



ـ عارف أنت ربنا نجاك النهاردة ليه يا شيخ حامد ؟



.. تاني يا سماعين !!



ـ وفا زيت حار شاف مصطفى نشوان الفراش وهو بيدور في جيبه بره الجامع، وبيدي حاجة لواحد منهم، ولما طلع المنبر قال : إن الذين يشربون الحشيش في انصاص الليالي حيروحوا جهنم، وأدي واحد منهم قاعد تحت العمود أهه، وشاور على مصطفى نشوان، ونشوان خد مداسه وطلع بره الجامع.



.. هو الجامع كله طلع بره النهارده ولا إيه ؟!.





الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
ألعاب الهوى (رواية لوحيد الطويلة)
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الأولمـــــــــــــــــــــــــــــــــــــب :: مغامرات إبداعية :: السرد-
انتقل الى: